الذهبي

655

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

حمزة ابن الحُبُوبيّ ، وخلْق كثير . وسكن القدس مدّةً طويلة ، ثمّ قدم دمشق سنة ثمانين وأربعمائة ، فأقام بها يدرِّس ويُفْتي ، إلي أن مات بها . نقل صاحب " تاريخ دمشق " أنّ السّلطان تاج الدّولة تُتُش زار الفقيه نصرًا ، فلم يقُمْ له ، ولا التفت إليه ، وكذا ولده دُقَاق ، وسأله دُقَاق : أيُّ الأموال أَحَلُّ ؟ فقال : مالُ الْجَوَالي ، فبعث إليه بمبلغٍ ، فلم يقبلْه ، وقال : لا حاجةَ بنا إليه . فلمّا راح الرّسول لامه نصر المصّيصيّ وقال : قد عَلِمْتَ حاجتنا إليه ، فقال له : لا تجزعْ ، فسوف يأتيك من الدّنيا ما يكفيك فيما بعد ، فكان كما تفرَّس فيه ، حكاها غيث الأرمنازيّ ، وقال : سمعته يقول : درستُ على سُلَيْم أربع سِنين ، فسألتُهُ في كم كتبت تعليقة سليم ؟ فقال : في ثلاثمائة جزء ؛ وما كتبت منها شيئا إلّا على وضوء . قلت : وكان إمامًا علّامة في المذهب ، زاهدًا ، قانتًا ، ورِعًا ، كبير الشّأن . قال الحافظ ابن عساكر : لم يقبل من أحدٍ صلةً بدمشق ، بل كان يقتات من غلةٍ تُحْمَل إليه من أرضٍ بنابُلس ملْكه ، فيَخْبِزُ له كلّ ليلة قَرْصةً في جانب الكانون ، حكى لي ناصر النّجّار ، وكان يخدمه ، أشياء عجيبة من زُهْده وتقلُّله ، وترْكه تناول الشّهوات . وكان رحمه الله ، على طريقةٍ واحدةٍ من الزُّهْد والتَّنزُّه عن الدَّنايا والتَّقَشُّف ، وحكى لي بعض أهل العِلْم قال : صَحِبْت إمام الحَرَمَيْن بخُراسان ، وأبا إسحاق الشّيرازيّ ببغداد ، فكانت طريقته عندي أفضل من طريقة إمام الحَرَمَيْن . ثمّ قدِمْتُ الشّامَ ، فرأيت الفقيه أبا الفتح ، فكانت طريقته أحسن من طريقتيهما . قال غيره : كان الفقيه نصر يعرف بابن أبي حائط . ومن تصانيفه : كتابَ " الحُجّة على تارك المَحَجّة " ، وهو مشهورٌ مَرْوِيٌّ ، وكتاب " الانتخاب الدّمشقيّ " وهو كبير في بضعة عشر مجلّدًا ، وكتاب " التّهذيب في المذهب " في عشر مجلّدات ، وكتاب " الكافي " مجلَّد ، ليس فيه قولين ولا وجهين ، وعاش أكثر من ثمانين سنة . ولمّا قدِم الغَزَاليّ دمشقَ جالَسَ الفقيهَ نصرًا ، وأخذ عنه ، وتفقّه به جماعة بدمشق . تُوُفّي يوم عاشوراء ، ودُفِن بمقبرة باب الصّغير ، وقبره ظاهرُ يُزار ، رحمه الله .