الذهبي

593

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وقيل : ركب البحر في الشّتاء من صور إلى الدّيار المصريّة في سنة ستٍّ وستّين ، والمستنصِر في غاية الضَّعْف واختلال الدّولة للغلاء والوباء الّذي تمّ من قريب ، ولاختلاف الكلمة ، فولّاه الأمور كلَّها ، من وزارة السّيف ، والقلم ، وقضاء القُضاة ، والتَّقدُّم على الدُّعاة ، فضبط الأمور ، وزال قُطُوع المستنصِر واستفاق ، ولمّا دخل قرأ القارئ : { ولقد نصركم الله ببدر } ، ووقف ، فقال المستنصِر : لو أتمَّها لَضَرَبتُ عُنُقَه . ولم يزل إلى أن مات في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثمانين . وبنى مشهد الرّأس بعسقلان . وقد وزر ولده الأفضل في حياته لمّا مرض . 257 - تُتُش بن ألْب أرسلان أبي شُجاع محمد بن داود بن ميكال بن سلجوق بن دُقَاق ، الملك أبو سعيد تاج الدّولة السُّلْجُوقيّ ، [ المتوفى : 488 ه - ] ولد السّلطان وأخو السّلطان . تُركيّ محتشم ، شجاع ، من بيت ملك وتقدُّم . مرّ كثيرٌ من سيرته وفتوحاته العظيمة في الحوادث . استنجد به صاحب دمشق آتسنر على قتال عسكر المصريّين الرّافضة ، فقدِم دمشق في سنة اثنتين وسبعين ، وقتل أتْسِز في تلك الأشْهر ، وملك دمشق ، وقيل : إنّه كان حَسَن السّيرة . وبقي على دمشق إلى صَفَر سنة ثمانٍ هذه ، فقُتِل بمدينة الرَّيّ . وكان قد سار من دمشق إلى خُراسان عندما سمع بموت أخيه السّلطان ملكشاه ليتملّك ، فلقِيه ابن أخيه بَرْكيَارُوق ، فقُتِل تُتُش في المعركة ، وتسلطن بعده بدمشق ابنُه دُقَاق الملقَّب شمس الملوك ، أخو فخْر الملوك رضوان . وكان تُتُش معظِّمًا للشّيخ أبي الفَرَج الحنبليّ . وقد جَرَت في مجلسه بدمشق مناظرة عقدها لأبي الفَرَج وخصومه في قولهم : إنّ القرآن يُسمع ويُقرأ ويُكتب ، وليس بصوتٍ ولا حرف . فقال الملك : هذا مثل قول من يقول : هذا قَباء ، وأشار إلى قبائه ، على الحقيقة ، وليس بحرير ، ولا قُطْن ، ولا كتّان . وهذا الكلام صَدَر من تُركيّ أعجميّ ، فأيّد الله شرف الإسلام أبا الفرج ، فجاهد