الذهبي
179
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وقال أبو سعد ابن السمعاني فِي " الذيل " فِي ترجمته : كان مهيبًا ، وَقُورًا ، ثقة ، متحرّيا ، حُجّة ، حَسَن الخط ، كثير الضَّبْط ، فصيحًا ، خُتِم به الحُفّاظ . وقال : رحل إِلَى الشام حاجًا ، فسمع بدمشق ، وصور ، ومكّة ، ولقي بها أَبَا عَبْد اللَّه القضاعي ، وقرأ " صحيح الْبُخَارِيّ " فِي خمسة أيام على كريمة المَرْوَزِيّة ، ورجع إِلَى بغداد ، ثُمَّ خرج منها بعد فتنة البساسيري ، لتشوش الحال ، إِلَى الشام سنة إحدى وخمسين ، فأقام بها إِلَى صفر سنة سبعٍ وخمسين . وخرج من دمشق إِلَى صور ، فأقام بصور ، وكان يزور البيت المقدس ويعود إِلَى صور ، إِلَى سنة اثنتين وستين وأربعمائة ، فتوجه إِلَى طرَابُلس ، ثُمَّ إِلَى حلب ، ثُمَّ إِلَى بغداد على الرَّحْبة ، ودخل بغداد فِي ذي الحجّة . وحدَّث فِي طريقه بحلب ، وغيرها . سمعت الخطيب مسعود بن محمد بمرو يقول : سمعتُ الفضل بْن عُمَر النَّسَويّ يقول : كنتُ بجامع صور عند أَبِي بَكْر الخطيب ، فدخل عليه علويٌّ وَفِي كُمِّه دنانير فقال : هَذَا الذهب تصرفه فِي مهماتك . فقطب وجهه وقال : لا حاجة لي فِيهِ . فقال : كأنك تستقله ؟ ونفض كُمَّه على سجادة الخطيب ، فنزلت الدنانير ، فقال : هذه ثلاثمائة دينار . فقام الخطيب خجلًا مُحْمرًّا وجهُهُ وأخذ سجادته ورمى الدنانير وراح ، فَمَا أنسى عِزَّ خُرُوجِه ، وَذُلَّ ذلك العلوي وهو يلتقط الدنانير من شقوق الحصير . وقال الحافظ ابن ناصر : حَدَّثَنِي أَبُو زكريا التبريزي اللغوي قال : دخلت دمشق فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له ، وكنت أسكن منارة الجامع ، فصعِد إليَّ وقال : أحببتُ أن أزورك فِي بيتك . فتحدَّثنا ساعة ، ثُمَّ أخرج ورقةً وقال : الهدية مستحبَّة ، اشتر بهذا أقلامًا ونهض . قال : فإذا هِيَ خمسة دنانير مصرية . ثُمَّ صعد مرة أخرى ، ووضع نحوًا من ذلك ، وكان إذا قرأ الحديث فِي جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع . وكان يقرأ مُعْرَبًا صحيحًا . وقال أَبُو سَعِد : سمعت على ستة عشر نفسًا من أصحابه سمعوا منه