الذهبي

142

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

بُليدة من أعمال خلاط . وكان السلطان ألب أرسلان بخوي من أعمال أَذْرَبَيْجان قد عاد من حلب ، فبلغه كثرة جموعهم وليس معه من عساكره إلا خمسة عشر ألف فارس ، فقصدهم وقال : أنا ألتقيهم صابرًا محتسباً ، فإن سلمت فبنعمة الله ، وإن كانت الشهادة فابني ملكشاه ولي عهدي . فوقعت مقدمته على مقدمة أرمانوس فانهزموا وأسر المسلمون مقدمهم ، فأحضر إلى السلطان فجدع أنفه ، فلما تقارب الجمعان أرسل السلطان يطلب المهادنة ، فقال أرمانوس : لا هدنة إلا بالري . فانزعج السلطان فقال له إمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي : إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان . وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح . فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر ، فإنهم يدعون للمجاهدين . فلما كان تلك الساعة صلى بهم ، وبكى السلطان ، فبكى الناس لبكائه ، ودعا فأمنوا ، فقال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف ، فما هاهنا سلطان يأمر ولا ينهى . وألقى القوس والنشاب ، وأخذ السيف ، وعقد ذنب فرسه بيده ، وفعل عسكره مثله ، ولبس البياض وتحنط ، وقال : إن قتلت فهذا كفني ، وزحف إلى الروم ، وزحفوا إليه ، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب ، وبكى ، وأكثر الدعاء ، ثم ركب وحمل الجيش معه ، فحصل المسلمون في وسطهم ، فقتلوا في الروم كيف شاؤوا ، وأنزل الله نصره ، وانهزمت الروم ، وقتل منهم ما لا يحصى ، حتى امتلأت الأرض بالقتلى ، وأسر ملك الروم ، أسره غلام لكوهرايين فأراد قتله ولم يعرفه ، فقال له خدم مع الملك : لا تقتله فإنه الملك . وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرايين على نظام الملك ، فرده استحقارًا له ، فأثنى عليه أستاذه عند نظام الملك ، فقال نظام الملك : عسى يأتينا بملك الروم أسيراً . فكان كذلك . ولما أحضره إلى بين يدي السلطان ألب أرسلان ضربه ثلاث مقارع بيده وقال : ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت ؟ فقال : دعني من التوبيخ وافعل ما تريد . قال : ما كان عزمك أن تفعل بي لو أسرتني ؟ قال : أفعل القبيح . قال : فما تظن أنني أفعل بك ؟ قال : إما أن تقتلني ، وإما أن تشهرني في بلادك ، والأخرى بعيدة ، وهي العفو ، وبذل الأموال ، واصطناعي . قال له : ما عزمتُ على غير هذه . ففدى نفسه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ، وأن ينفذ إليه عسكره كلما طلبه ، وأن يطلق كل أسير في مملكته . وأنزله