الذهبي
106
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
الدَّرس . فقال : أين كنت ؟ قال : مضيت أبصرت ابن دارست . فقال : ويحك ، تمضي وتنظر إلى الظلمة ؟ وعنَّفني . قال : وكان ينهانا دائمًا عن مُخالطة أبناء الدُّنيا ، وعن النَّظر إليهم والاجتماع بهم ، ويأمُر بالاشتغال بالعِلم ومجالسة الصّالحين . سمعتُ خالي عبد اللَّه يقول : حضرت مع والدك في دار رئيس الرُّؤساء بعد مجيء طُغْرُلْبَك ، وقد أنفذ إليه غير مرَّة ليحضِر ، فلمَّا حضر زاد في إكرامه ، وأجلسه إلى جانبه ، وقال له : لم يزل بيت المُسلِمة وبيت الفرَّاء مُمتَزِجين ، فما هذا الانقطاع ؟ فقال له القاضي : رُوِيَ عن إبراهيم الحربيّ أنَّه استزاره المُعتّضِد ، وقربه وأجازه ، فرد جائزته ، فقال له : أكتم مجلسنا ، ولا تُخبِر بما فعلنا بك ولا بماذا قابلتنا . فقال : لي إخوان لو علموا باجتماعي بك هجروني . قال : فقال له رئيس الرُّؤساء كلاما أسره إليه ، ومد كمه إليه ، فتأخَّر القاضي عنه ، وسمعته يقول : أنا في كفايةٍ ودِعة . فقلت له : يا سيِّدنا ما قال لك ؟ قال : قال لي : معي شُويّ من بقيّة ذلك الْإِرث المُستطاب ، وأُحِبُ أن تأخُذه . فقلت : أنا في كفاية . سمعتُ بعض أصحابنا يحكي ، قال : لما حَصُبَ القائم وعُوفِيَ ، حضر الشّيخ أبو منصور بن يوسف عند الوالد ، وقال له : لو سهل عليك أن تمضي إلى باب الغربة ، لتهنئ الخليفة بالعافية . فمضى إلى هنالك ، فخرج إليه الحاجب ، ومعه جائزة سنِّيّة ، وعرَّفه شُكْرَ الْإِمام لسَعْيِه ، وتبرُّكه بدعائه ، وسأله قبول ذلك . قال : فَوَاللَّه ما مسَّها ، ولا قبِلها . سمعتُ جماعة من أهلي أنَّ في سنة إحدى وخمسين وقع النَّهب بالجانب الغربيّ ، انتقل الوالد ، وكان في بيته خُبْزٌ يابس ، فنقله معه ، وترك نقل رَحْله ، لتعذُّر من يحمله ، فكان يقتات منه ، وقال : هذه الأطعمة اليوم نهوب