الذهبي

960

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

منصرفًا فأنظر إلى أين مُنْصرفك ، إلى الجنّة أم إلى النّار ، فبكى الرشيد حتى كاد أن يموت . وقال عبد الله بن صالح العِجْليّ : سمعتُ ابن السّمّاك يقول : كتب إلي رجل من إخواني من أهل بغداد : صِفْ لي الدَّنيا ، فكتبت إليه : أمّا بعد ، فإنّه حفها بالشهوات ، وملأها بالآفات ، ومزج حلالها بالمؤونات ، وحرامها بالتَّبِعات ، حلالُها حساب ، وحرامها عذاب ، والسلام . وعنه قال : همّة العاقل في النجاة ، والهرب ، وهمّة الأحمق في الّلهْو ، والطَّرب ، عَجَبًا لعَيْن تلذ بالرقاد ، وملك الموت معه على الوساد ، حتّى متى يبلّغنا الواعظون أعلامَ الآخرة ، حتّى كأن نفوسَنا عليها واقفة ، وكأن العيون إليها ناظرة ، أفلا منتبه من نومته ، أو مستيقظ من غَفْلَته ، ومُفيق من سكرته ، وخائف من صرعته ؟ كَدْحًا للدنيا كدحًا ، أما تجعل للآخرة منك حَظًّا ، أُقسم بالله لو قد رأيت القيامة تخفق بزلزال أهوالها ، والنّارُ قد عَلَتْ مُشْرفة على أهلها ، وقد وضع الكتاب ، ونُصب الميزان ، وجئ بالنبيين والشُّهداء لسَرَّك أن تكون لك في ذلك الجمع منزلة ، أبعد الدنيا دار معتمل أم إلى غير الآخرة مُنتقل ؟ هيهات ، كلا واللهِ ، ولكن صُمَّت الآذان عن المواعظ ، وذهلت القلوب عن المَنَافِع ، فلا الواعظ ينتفع ، ولا السامع ينتفع . وعنه قال : هَبِ الدُّنيا كلّها في يديك ، ودنيا أخرى مثلها ضُمّت إليك ، وهب المشرق والمغرب يجبى إليك ، فإذا جاءك الموت فماذا بين يديك ؟ ألا مَن امتطى الصَّبر قوي على العبادة ، ومن أجمع اليأس استغنى عن النّاس ، ومَن أهَمَّتْه نفسُه لم يولّ مرمّتها غيره ، ومن أحبّ الخير وُفِّقَ له ، ومَن كرِه الشرّ جُنِّبه ، ألا متأهّبٌ فيما يوصف أمامه ، ألا مستعدُّ ليوم فَقْره وفاقَته ، ألا شيخٌ مبادر انقضاء مدّته وفناء أجَله ، ما ينتظر من ابيضت شعرته بعد سَوَادها ، وتكرّش وجهُه بعد انبساطه ، وتقوَّس ظهره بعد انتصابه ، وَكَلَّ بصرُه ، وضعُف ركْنُه ، وقَلّ نومه ، وَبَلِيَ منه شيء بعد شيء في حياته ، فرحم الله امرأً عَقَلَ الأمر ، وأحْسَنَ النظر ، واغتنم أيّامه . قال عبد الحميد بن صالح : حدثنا ابن السماك ، عن سُفيان الثَّوْريّ قال : احتاجت امرأة العزيز فلبست ثيابها ، فقال لها أهلها : إلى أين ؟ قالت : أريد