الذهبي

785

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

فَسَأَلَكَ عَمَّا عَمِلْتَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ ؟ فَدَعَا الرَّشِيدُ يَحْيَى ، وَقَدْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ ، فَقَالَ : تَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى الإِسْلامِ ، فَأَمَرَ بِابْنِ اللَّيْثِ فَوُضِعَ فِي الْمُطْبَقِ دَهْرًا ، فَلَمَّا تَنَكَّرَ الرَّشِيدُ لِلْبَرَامِكَةِ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَأَحْضَرَهُ ، وَقَالَ لَهُ : أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ : لا ، وَاللَّهِ ، قَالَ : أَتَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَضَعْتَ فِي رِجْلَيَّ الأَكْبَالَ ، وَحُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيَالِي بِلا ذَنْبٍ سِوَى قَوْلِ حَاسِدٍ يَكِيدُ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ ، وَيُحِبُّ الإِلْحَادَ وَأَهْلَهُ ، فَأَطْلِقْهُ ثُمَّ قَالَ : أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ : لا ، وَلَكِنْ قَدْ ذَهَبَ مَا في قلبي ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ : أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : انْتَقَمَ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَأَخَذَ لَكَ مِمَّنْ بَعَثَنِي عَلَيْكَ . قَالَ : فَقَالَ النَّاسُ فِي الْبَرَامِكَةِ فَأَكْثَرُوا . وَقِيلَ : إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ دَخَلَ بَعْدُ عَلَى الرَّشِيدِ ، فَقَامَ الْغِلْمَانُ لَهُ ، وَقَالَ الرَّشِيدُ لِمَسْرُورٍ : مُرْهُمْ لا يَقُومُونَ ، قَالَ : فَدَخَلَ ، فَمَا قام أحد فاربد لون يَحْيَى . وَقِيلَ : إِنَّ سَبَبَ قَتْلِ جَعْفَرٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَلَّمَ لَهُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ ، فَرَقَّ لَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ وَأَطْلَقَهُ . وَكَانَ ابْنُ حَسَنٍ مَرْبُوعًا ، أَجْلَحَ ، بَطِينًا ، حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ ، فَأَتَى رَجُلٌ بِصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ إِلَى الرَّشِيدِ ، وَأَنَّهُ رَآهُ بِحُلْوَانَ ، فَأَعْطَى الرَّجُلَ جَائِزَةً . وَقِيلَ : إن جعفر بَنَى دَارًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسْرَفَ . وَعَنْ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ قَالَ : اعْتَمَرَ أَبِي فِي الْعَامِ الَّذِي نُكِبَ فِيهِ وَأَنَا مَعَهُ ، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ لا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ ، إِنْ كُنْتَ مُعَاقِبِي فَاجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ أَحَاطَ ذَلِكَ بِسَمْعِي ، وَبَصَرِي ، وَمَالِي ، وَوَلَدِي حَتَّى أَبْلُغَ رِضَاكَ ، وَلا تَجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الآخِرَةِ ، وَكَانَ مُوسَى هَذَا أَحَدَ الأَبْطَالِ الموصوفين ، فقيل : إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ قَدَحَ فِيهِ عِنْدَ الرَّشِيدِ ، وَأَعْلَمَهُ طَاعَةَ أَهْلِ خُرَاسَانَ لَهُ وَمَحَبَّتَهُمْ إِيَّاهُ ، وَأَنَّهُ يُكَاتِبُهُمْ وَيَعْمَلُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِمْ ، فَاسْتَوْحَشَ الرَّشِيدُ مِنْهُ . ثُمَّ رَكِبَ مُوسَى دَيْنٌ فَاسْتَتَرَ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، فَتَوَهَّمَ الرَّشِيدُ أَنَّهُ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ ، ثُمَّ ظَهَرَ فَحَبَسَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ نَكْبَتِهِمْ ، فَأَتَتْ زَوْجَةُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ إِلَى الرَّشِيدِ وَلاطَفَتْهُ ، فَقَالَ : يَضْمَنُهُ أَبُوهُ ، فَضَمِنَهُ يَحْيَى .