الذهبي
715
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
قُلْتُ : لا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي أَضْعَفُ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِنِّي رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي ، فَقَالَ : مَا بِكَ مِنْ ضَعْفٍ مَعِي ، وَلَكِنْ ضَعُفَتْ نِيَّتُكَ ، أَتُرِيدُ قُوَّةً أَقْوَى مِنِّي ؟ فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتَ فَدُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ أُقَلِّدُهُ مِصْرَ ، قُلْتُ : عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْجُذَامِيُّ ، رَجُلٌ لَهُ صَلاحٌ وَلَهُ عَشِيرَةٌ ، قَالَ : فَبَلَغَهُ ذَلِكَ ، فَعَاهَدَ اللَّهَ أن لا يكلم الليث . وولي الليث ثَلاثَ وِلايَاتٍ لِصَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ صَالِحٌ لِعَمْرٍو : لا أَدَعُ اللَّيْثَ حَتَّى يَتَوَلَّى لِي ، فَقَالَ عَمْرٌو : لا يَفْعَلُ ، فَقَالَ : لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ ، فَجَاءَهُ عَمْرٌو فَحَذَّرَهُ ، فَوَلاهُ الْعَطَاءَ ، وَوَلِيَ الْجَزِيرَةَ أَيَّامَ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَوَلِيَ الدِّيوَانَ أَيَّامَ الْمَهْدِيِّ . قُتَيْبَةُ قَالَ : قَفَلْنَا مَعَ اللَّيْثِ مِنَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، وَمَعَهُ ثَلاثُ سُفُنٍ ، سَفِينَةٌ فِيهَا مَطْبَخُهُ ، وَسَفِينَةٌ فِيهَا عِيَالُهُ ، وَسَفِينَةٌ فِيهَا أَضْيَافُهُ ، وَصَلَّى بِنَا فَجَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَسَلَّمَ وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، وَكَانَ ابْنُهُ شُعَيْبٌ إِمَامَهُ ، فَحُمَّ ليلة فصلى بنا الليث . قال أبو علاثة المفرض : حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَافِقِيُّ : سَمِعْتُ أَشْهَبَ يَقُولُ : كَانَ اللَّيْثُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةُ مَجَالِسٍ ، أَحَدُهَا لِنَائِبَةِ السُّلْطَانِ وَحَوَائِجِهِ ، وَكَانَ اللَّيْثُ تَغْشَاهُ الدَّوْلَةُ ، فَإِذَا أَنْكَرَ مِنَ الْقَاضِي أَمْرًا ، أَوْ مِنَ السُّلْطَانِ ، كَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَجْلِسٌ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَمَجْلِسٌ لِلْمَسَائِلِ يَغْشَاهُ النَّاسُ فَيَسْأَلُونَهُ ، وَمَجْلِسٌ لِحَوَائِجِ النَّاسِ لا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ فَيَرُدُّهُ ، كَبُرَتْ حَاجَتُهُ أَوْ صَغُرَتْ ، وَكَانَ يُطْعِمُ النَّاسَ في الشتاء الهرائس بِعَسَلِ النَّحْلِ ، وَالسَّمْنِ ، وَفِي الصَّيْفِ سَوِيقَ اللَّوْزِ بِالسُّكَّرِ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحيري : حدثنا أبي : قال : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ إِلَى جَنْبِهِ : خَرَجَ اللَّيْثُ يَوْمًا فَقَوَّمُوا ثِيَابَهُ وَدَابَّتَهُ وَخَاتَمَهُ ، وَمَا عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عِشْرِينَ أَلْفًا . وَقَالَ سُلَيْمَانُ : خَرَجَ عَلَيْنَا شُعْبَةُ يَوْمًا ، فَقَوَّمُوا حِمَارَهُ وَسَرْجَهُ وَلِجَامَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا إِلَى عِشْرِينَ . قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ : كُنَّا عِنْدَ اللَّيْثِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَدَحٌ فَقَالَتْ : يَا أَبَا الْحَارِثِ إِنَّ زَوْجِي يَشْتَكِي ، وَقَدْ وُصِفَ لَهُ الْعَسَلَ ، فَأَمَرَ لَهَا بِزِقِّ عَسَلٍ كَبِيرٍ .