الذهبي
654
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
رَوَى عَبَّاسٌ عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي صَالِحٍ الْمُرِّيِّ كَبِيرُ رَأْيٍ ، قَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . قُلْتُ : رَوَى خَمْسَةٌ عَنْ يَحْيَى تَلْيِينَ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، وَمَا فِي ضَعْفِهِ نِزَاعٌ ، إِنَّمَا الْخِلافُ هَلْ يُتْرَكُ حَدِيثُهُ أَوْ لا ؟ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : صَالِحٌ قَاصٌّ ، حَسَنُ الصَّوْتِ ، وَعَامَّةُ أَحَادِيثِهِ مُنْكَرَاتٌ يُنْكِرُهَا الأَئِمَّةُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ ، بَلْ يَغْلَطُ شَيْئًا . وَقِيلَ : كَانَ صَالِحٌ مَوْلًى لامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ . قَالَ الْبُرْجُلانِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيِّ : سَمِعْتُ صَالِحًا يَقُولُ : لِلْبُكَاءِ دَوَاعٍ ؛ الْفِكْرَةُ فِي الذُّنُوبِ ، فَإِنْ أَجَابَتْ عَلَى ذَلِكَ الْقُلُوبُ وَإِلا نَقَلْتَهَا إِلَى الْمَوْقِفِ وَتِلْكَ الشَّدَائِدِ وَالأَهْوَالِ ، فَإِنْ أَجَابَتْ وَإِلا فَاعْرِضْ عَلَيْهَا التَّقَلُّبَ بَيْنَ أَطْبَاقِ النِّيرَانِ . ثُمَّ إِنَّهُ صَاحَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ ، وَضَجَّ النَّاسُ . قَالَ عُثْمَانُ : كَانَ شَدِيدَ الْخَوْفِ لِلَّهِ ، كَأَنَّهُ ثَكْلَى إِذَا قص . وقال أبو سعيد ابن الأَعْرَابِيِّ : كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ بِالتَّحْزِينِ ، يُقَالُ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَرَأَ بِالْبَصْرَةِ بالتحزين . وَقَالَ : إِنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ سَمِعَ قِرَاءَةَ صَالِحٍ مَاتَ مِنْهَا . وَيُقَالُ : إِنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ لَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ وَاخْتَفَى عِنْدَ مَرْحُومٍ الْعَطَّارِ ، فَقَالَ لَهُ مَرْحُومٌ : هَلْ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ قَاصًّا عِنْدَنَا ؟ فَأَتَاهُ عَلَى نَكْرَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَأَحَدِ الْقُصَّاصِ ، فَلَمَّا سَمِعَ كَلامَهُ وَتِلاوَتَهُ وَسَمِعَهُ يَقُولُ : حَدَّثَنِي فُلانٌ وَحَدَّثَنِي فُلانٌ ، قَالَ لِمَرْحُومٍ : تَقُولُ هَذَا قَاصٌّ ! إِنَّمَا هَذَا نَذِيرٌ ، وَأُعْجِبَ بِهِ . وَقَالَ عَفَّانُ : كُنَّا نَحْضُرُ مَجْلِسَ صَالِحٍ المري ، وكان إذا قص كأنه رجل مذعور يُفْزِعُكَ أَمْرُهُ مِنْ حُزْنِهِ وَكَثْرَةِ بُكَائِهِ . وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ : شَهِدْتُ صَالِحًا الْمُرِّيَّ عَزَّى رَجُلا فِي ابْنِهِ فَقَالَ : لَئِنْ كَانَتْ مُصِيبَتُكَ بِابْنِكَ لَمْ تُحْدِثْ لَكَ مَوْعِظَةً فِي نَفْسِكَ ، فَمُصِيبَتُكَ بِابْنِكَ جَلَلٌ فِي مُصِيبَتُكَ بِنَفْسِكَ ، فَإِيَّاهَا فَابْكِ .