الذهبي

502

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وَقُلِّدْتُ جَسِيمًا ، فَعِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبِهِ أَسْتَعِينُ عَلَى خِلافَةِ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ الأَصْمَعِيُّ : كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ الْمَهْدِيِّ : " اللَّهُ ثِقَةُ مُحَمَّدٍ ، وَبِهِ يُؤْمِنُ " . وَرَوَى أَبُو الْعَيْنَاءِ ، عَنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَدِيٍّ ، أَنَّ الْمَهْدِيَّ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ : أَسِرُّوا مِثْلَ مَا تُعْلِنُونَ مِنْ طَاعَتِنَا نَهَبْكُمُ الْعَافِيَةَ ، وَتُحَمَّدُوا الْعَاقِبَةَ ، وَاخْفِضُوا جَنَاحَ الطَّاعَةِ لِمَنْ نَشَرَ مَعْدِلَتَهُ فِيكُمْ ، وَطَوَى الإِصْرَ عَنْكُمْ ، وَأَهَالَ عَلَيْكُمُ السَّلامَةَ مِنْ حَيْثُ رَآهُ اللَّهُ مُقَدِّمًا ذَلِكَ ، وَاللَّهِ لَأُفْنِيَنَّ عُمْرِي بَيْنَ عُقُوبَتِكُمْ ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ . قَالَ مَسْلَمَة : فَرَأَيْتُ وُجُوهَ النَّاسِ تُشْرِقُ فَرَحًا . قَالَ نِفْطَوَيْهِ : أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَنْصُورِيُّ قَالَ : لَمَّا حَصَلَتِ الْخَزَائِنُ فِي يَدِ الْمَهْدِيِّ ، أَخَذَ فِي رَدِّ الْمَظَالِمِ ، فَأَخْرَجَ أَكْثَرَ الذَّخَائِرِ فَفَرَّقَهَا ، وَبَرَّ أَهْلَهُ وَمَوَالِيَهُ . قُلْتُ : كَانَ أَبُوهُ جَمَعَ مِنَ الأَمْوَالِ مَا لا يُعَبَّرُ عَنْهُ ، وَكَانَ مِسِّيكًا . فَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ قَالَ : مَاتَ الْمَنْصُورُ وَفِي بَيْتِ المال مائة ألف أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَسِتُّونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ الْمَهْدِيُّ وَأَنْفَقَهُ ، وَكَانَتْ نَفَقَةُ الْمَنْصُورِ مَا يَجِيئُهُ مِنْ مَالِ الشَّرَاةِ نَحْوَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فِي السَّنَةِ . قُلْتُ : وَزْنُ ذَلِكَ الْمَالِ بِالْقِنْطَارِ الدمشقي ألفا قِنْطَارٍ وَسِتُّمِائَةِ قِنْطَارٍ وَسَبْعُونَ ، وَإِذَا صُرِفَ بِهَا ذَهَبٌ مِصْرِيٌّ ، جَاءَ أَزْيَدَ مِنْ مِائَةِ قِنْطَارٍ وَسَبْعِينَ قِنْطَارًا . وَعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى الْمَهْدِيِّ بِالرَّصَافَةِ فَقُلْتُ : احْمِلْ قَوْلِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ أَحْمَلُهُمْ لغلظة النصيحة فيه ، وجدير بمن له قرابة برسول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرِثَ أَخْلاقَهُ وَيَأْتَمَّ بِهَدْيِهِ ، وَقَدْ وَرَّثَكَ اللَّهُ مِنْ فَهْمِ الْعِلْمِ وَإِنَارَةِ الْحُجَّةِ مِيرَاثًا قَطَعَ بِهِ عُذْرَكَ ، فَمَهْمَا ادَّعَيْتَ مِنْ حُجَّةٍ ، أَوْ رَكِبْتَ مِنْ شُبْهَةٍ لَمْ يَصِحَّ لَكَ بُرْهَانٌ مِنَ اللَّهِ فِيهَا ، حَلَّ بِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ بِقَدْرِ مَا تَجَاهَلْتَهُ مِنَ الْعِلْمِ ، وَأَقْدَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ شُبَهِ الْبَاطِلِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصْمُ مَنْ خَالَفَهُ ، وَأَثْبَتُ النَّاسِ قَدَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، آخِذُهُمْ