الذهبي
452
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
الْغُلامِ ؟ يَعْنِي عُتْبَةَ ، قُلْتُ : بِحُزْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : مَا أَبْعَدْتَ . وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : صَحِبْتُ عُتْبَةَ الْغُلامَ ، وَكَانَ يُقَالُ : إِنْ كَانَ أَحَدٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ فعُتْبَةُ الْغُلامُ ، قَالَ لَنَا : اشتروا لي فَرَسًا يَغِيظُ الْعَدُوَّ . وَكَانَ يَخْرُجُ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَسْتَقْبَلَكَ أَحَدٌ ؟ فَيَقُولُ : لا ، اشْتِغَالا بِمَا هُوَ فِيهِ . قَالَ : وَأَصَابَ النَّاسُ ظُلْمَةً ، فَخَرَجَ عُتْبَةُ ، وَيَدَاهُ عَلَى رَأْسِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ : وَأَنْتَ تَشْتَرِي التَّمْرَ ! . وَيُقَالُ : كَانَ عُتْبَةُ يَصُومُ الدَّهْرَ ، وكان رأس ماله فلسا يأخذ به خوصا ، فيعمله ويبيعه بثلاثة فلوس ، فَيَأْكُلُ بِفَلْسٍ ، وَيَتَصَدَّقُ بِفَلْسٍ وَيَشْتَرِي خُوصًا بِفَلْسٍ . قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ : يُقَالُ إِنَّهُ رَأَى طَائِرًا ، فَقَالَ لَهُ : تَعَالَ ، فَجَاءَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى يده ، فقال له : طر ، فطار . وقيل : إنه كان لا يكاد ينقطع بكاؤه . وَوَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يَأْوِي إِلَى مَنْزِلِهِ فَيُصِيبُ فِيهِ قُوتَهُ ، لا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هُوَ ، وكان ربما غشي عليه في الْمَوْعِظَةِ . وَقَالَ رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ : بَاتَ عِنْدِي عُتْبَةُ الْغُلامُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ احْشُرْ عُتْبَةَ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ ، وَبُطُونِ السِّبَاعِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ : حدثنا عبد الله بن عون الخراز ، قال : حدثنا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : جَاءَنَا عُتْبَةُ الْغُلامُ ، فَقُلْنَا لَهُ : مَا جَاءَ بِكَ ؟ قَالَ : الْغَزْوُ ، قلت : مثلك يغزو ! إني أريت أَنِّي آتِي الْمِصِّيصَةَ فَأَغْزُو فَأَسْتَشْهِدُ ، قَالَ : فَنُودِيَ يَوْمًا فِي الْخَيَّالَةِ ، فَنَفَرَ النَّاسُ ، وَجَاءَ عُتْبَةُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي فَرَسِي ، وَسِلاحِي فَإِنِّي قَدِ اعْتَلَلْتُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَعْطَاهُ ، فَسَارَ مَعَ النَّاسِ ، فَالْتَقَوُا الرُّومَ ، فَكَانَ أَوَّلَ رجل استشهد .