الذهبي

389

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

قَالَ قَبِيصَةُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ مِنْ سُفْيَانَ . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : كَانَ سُفْيَانُ يَذْكُرُ الْمَوْتَ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ أَيَّامًا . وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ : كَانَ سُفْيَانُ طَوِيلَ الحزن ، كان يبول الدم من حزنه وفكرته . وَقَالَ عِصَامُ بْنُ يَزِيدَ جَبْرٍ : رُبَّمَا كَانَ يَأْخُذُ سُفْيَانُ فِي التَّفَكُّرِ ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ النَّاظِرُ فَيَقُولُ : مَجْنُونٌ . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخَفَّافُ : مَا لَقِيتُ سُفْيَانَ إِلا بَاكِيًا ، فَقُلْتُ : مَا شَأْنُكَ ؟ فَقَالَ : أَخَافُ أَنْ أَكُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا . قَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : الْعَالِمُ طَبِيبُ الدِّينِ ، وَالدِّرْهَمُ دَاءُ الدِّينِ ، فَإِذَا جَرَّ الطَّبِيبُ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ فَمَتَى يُدَاوِي غَيْرَهُ ؟ وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ ، سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَيْسَ طَلَبُ الْحَدِيثِ مِنْ عِدَّةِ الْمَوْتِ ، لَكِنَّهُ عِلَّةٌ يُتَشَاغَلُ بِهِ . قُلْتُ : طَلَبُ الْحَدِيثِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ لَقَبٌ لأُمُورٍ عُرْفِيَّةٍ قَلِيلَةِ الْمَدْخَلِ فِي الْعِلْمِ ، فَإِذَا كَانَ فُنُونٌ عَدِيدَةٌ مِنْ عِلْمِ الآثَارِ النَّبَوِيَّةِ بِهَذِهِ المثابة ، فما ظنك بِطَلَبِ عِلْمِ الْجَدَلِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ ؟ آهٍ ، واحسرتاه على قلة من يعرف دين الإسْلامِ كَمَا يَنْبَغِي ، وَمَا أَحَلَّ فِي الْقَلِيلِ الْمُتَعَيَّنِ ، إِذَا كَانَ مِثْلُ سُفْيَانَ يَوَدُّ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ عِلْمِهِ كَفَافًا ، فَمَا نَقُولُ نَحْنُ ؟ ! وَاغَوْثَاهُ . قَالَ الْخُرَيْبِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلنَّاسِ مِنَ الْحَدِيثِ . وَسَمِعَهُ الْفِرْيَابِيُّ يَقُولُ : مَا مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ إِذَا صَحَّتْ فِيهِ النِّيَّةُ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ ، وَالشَّعْبِيِّ فِي زَمَانِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي زَمَانِهِ . وَقَالَ أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ : شَبِعَ سُفْيَانُ لَيْلَةً فَقَالَ : إِنَّ الْحِمَارَ إِذَا زِيدَ فِي عَلَفِهِ زِيدَ فِي عَمَلِهِ ، فَقَامَ حَتَّى أَصْبَحَ .