الذهبي

278

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

فِي قَبْضَةِ يَعْقُوبَ وَأَصْحَابِهِ ، إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ فَيَثُورُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَلَى مِيعَادٍ ، فَيَمْلُكُوا الدُّنْيَا ، وَيُسْتَخْلَفُ إِسْحَاقُ بْنُ الْفَضْلِ ، فَمَلأَ هَذَا الْقَوْلُ مَسَامِعَ الْمَهْدِيِّ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ : فَذَكَرَ لِي بَعْضُ خَدَمِ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِ الْمَهْدِيِّ ، إذا دَخَلَ يَعْقُوبُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَدْ عَرَفْتَ اضْطِرَابِ مِصْرَ ، وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَلْتَمِسَ لَهَا رَجُلا وَقَدْ أَصَبْتُهُ ، قَالَ : وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ : ابن عَمُّكَ إِسْحَاقُ بْنُ الْفَضْلِ ، فَتَغَيَّرَ الْمَهْدِيُّ ، وَرَأَى يَعْقُوبُ تَغَيُّرَهُ ، فَقَامَ وَخَرَجَ ، وَأَتْبَعَهُ الْمَهْدِيُّ بَصَرَهُ ثُمَّ قَالَ : قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ ، ثم رفع رأسه ، وقال لِي : اكْتُمْ وَيْلَكَ هَذَا . وَقِيلَ : كَانَ يَعْقُوبُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْمَهْدِيِّ خُلُقَهُ وَنُهْمَتَهُ فِي النِّسَاءِ وَالْجِمَاعِ ، وَكَانَ يُبَاسِطُهُ فِي ذَلِكَ ، فَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَعَثَ إِلَيَّ الْمَهْدِيُّ فَدَخَلْتُ ، فَإِذَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ مَفْرُوشٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ ، وَبُسْتَانٍ فِيهِ أَنْوَاعُ الأَزْهَارِ ، وَإِذَا عِنْدَهُ جَارِيَةٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا ، فَقَالَ : كَيْفَ تَرَى ؟ قُلْتُ : مَتَّعَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَمْ أرَ كَالْيَوْمِ ، فَقَالَ : هو لك خذ الْمَجْلِسَ بِمَا فِيهِ وَالْجَارِيَةَ ، فَدَعَوْتُ لَهُ ثُمَّ قَالَ : وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ ، قُلْتُ : الأَمْرُ لَكَ ، فَحَلَّفَنِي بِاللَّهِ ، فَحَلَفْتُ لَهُ ، فَقَالَ : ضَعْ يَدَكَ عَلَى رَأْسِي وَاحْلِفْ ، فَفَعَلْتُ ، فَقَالَ : هَذَا فُلانٌ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهُ وَتُسْرِعُ ، قُلْتُ : أَفْعَلُ ، قَالَ : فَحَوَّلْتُهُ إِلَيْهِ وَحَوَّلْتُ الْجَارِيَةَ وَالْمَفَارِشَ ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ أَلْفٍ ، فَمَضَيْتُ بِالْجَمِيعِ ، فَلِشِدَّةِ سُرُورِي بِالْجَارِيَةِ تَرَكْتُهَا عِنْدِي في المجلس ، وأدخلت إلي الْعَلَوِيَّ ، فَأَخْبَرَنِي بِجُمَلٍ مِنْ حَالِهِ ، فَإِذَا أَلَبُّ النَّاسِ وَأَحْسَنُهُمْ إِبَانَةً ، وَقَالَ لِي : وَيْحُكَ ، تَلْقَى اللَّهَ غَدًا بِدَمِي ، وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْتُ : فَهَلْ فِيكَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : إِنْ فَعَلْتَ بِي خَيْرًا شكرت ذلك عندي دعاء واستغفارا ، قُلْتُ : فَأَيُّ الطَّرِيقِ تُحِبُّ ؟ ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ مَالا ، وَهَيَّأْتُ مَعَهُ مَنْ يُوصِلُهُ فِي اللَّيْلِ ، فَإِذَا الْجَارِيَةُ قَدْ حَفِظَتْ عَلَيَّ قَوْلِي ، فَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ ، فَشَحَنَ تِلْكَ الطَّرِيقَ بِرِجَالٍ ، فَلَمْ يلبث أن جاؤوه بِالْعَلَوِيِّ . قَالَ : فَلَمَّا طَلَعَ النَّهَارُ طَلَبَنِي الْمَهْدِيُّ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَأَحْضَرَ الْعَلَوِيَّ وَالْمَالَ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَلَّفَنِي أَنَّنِي قَتَلْتُهُ ، فَحَلَفْتُ ، قَالَ : فأُسْقِطَ فِي يَدِي ، فَقَالَ لِي : قَدْ حَلَّ دَمُكَ ، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي الْمُطْبَقِ دَهْرًا ، وَأُصِبْتُ بِبَصَرِي ،