الذهبي

1160

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

يَقْبُح ودع : كيف أصبح الأمير ؟ وكيف أمسى ؟ واجعل مكان التعريض لي صواب الاستماع منيّ . روى إسحاق بْن إبراهيم النّديم ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كنت بين يدي الرشيد ، والناسُ يعزُّونه في طفل ، ويهنّونه بمولودٍ ولد تِلْكَ الليلة ، فقال عَبْد المُلْك بْن صالح : يا أمير المؤمنين آجَرَك الله فيما ساءك ، ولا ساءك فيما سرّك ، وجعل هذه بهذه جزاءً للشاكر ، وثوابا للصابر . الرياشي : حدثنا الأصمعي قَالَ : كنتُ عند الرشيد ، فأُتي بعبد المُلْك بْن صالح يرفُل في قُيُوده ، فلمّا مثل بين يديه ، التفت الرشيد يحدّث يحيى بْن خَالِد ، وتمثّل ببيت عمرو بن معدي كرب : أريد حباءه ، ويريد قتلي . . . عذيري من خليلك من مراد ثم قَالَ : يا عَبْد المُلْك ، لَكأنّي والله أنظر إلى شُؤبُوبها قد هَمَع ، وإلى عارضها قد لمع ، وكأنّي بالوعيد قد أوري نارًا ، فأبرز عن براجم بلا معاصم ، ورؤوس بلا غلاصم ، فمهلا مهلا بني هاشم ، فبي والله ، سَهُل لكم الوَعر ، وصفا لكم الكَدَر ، وألقت إليكم الأمور أزمتها ، فبدار بدار لكم من حلول داهية ، أو حنوط باليد والرّجِل . فقال : أتكلّم يا أمير المؤمنين ؟ قَالَ : قلَّ . قَالَ : اتّقِ الله فيما ولاك ، واحفظْه في رعاياك الّتي استرعاك ، ولا تجعل الكفرَ بموضع الشُّكر ، والعقابَ بموضع الثواب ، فقد والله سهلت لك الوعور ، وجُمعت عَلَى خوفك ، ورجائك الصدور ، وسددت أواخي ملكك بأوثق من ركن يَلَمْلَم ، فأعاده إلى محبسه ، ثمّ أقبل علينا ، فقال : والله لقد نظرت إلى موضع السيف مِن عُنقه مرارًا ، فمنعني مِن قتله إبقائي عَلَى مثله . قَالَ : فأراد يحيى بْن خَالِد أن يضع مِن عَبْد المُلْك إرضاءً للرشيد ، فقال لَهُ : يا عَبْد المُلْك بلغني أنّك حقود . قَالَ : أيُّها الوزير إنْ كَانَ الحِقْد هُوَ بقاء الخير والشّرّ ، إنّهما لَبَاقيان في قلبي . فقال الرشيد : ما رأيت أحدا احتج للحقد بأحسن من هذا . ويقال : إنه إنما حبسه لمّا رآه نظيرًا لَهُ في أشياء مِن النُّبل والفصاحة .