الذهبي

110

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

النُّدماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر ، فَقَالَ : لستم بهم إنما هم الدنية ثيابهم ، المشقّقة أرجلهم ، الطويلة شعورهم ، برد الآفاق ، ونقلة الحديث . الصولي : حدثنا أحمد بْن يحيى ، عَن محمد بْن إسماعيل ، عَن أبيه قَالَ : قَالَ عَبْد الصمد بْن علي للمنصور : يا أمير المؤمنين لقد هجمت بالعقوبة حَتَّى كأنك لم تسمع بالعفو ، قَالَ : لأن بني أمية لم تُبْلَ رمَمُهُم ، وآل أَبِي طالب لم تُغْمَد سيوفهم ، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوُقة ، واليوم خلفاء ، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو . وَرُوِيَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عروة دَخَل عَلَى الْمَنْصُورِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي ، قَالَ : فَكَمْ دَيْنُكَ ؟ قَالَ : مِائَةُ أَلْفٍ ، قَالَ : وَأَنْتَ فِي فِقْهِكَ وَفَضْلِكَ تَأْخُذُ مِائَةَ أَلْفٍ لَيْسَ عِنْدَكَ قَضَاؤُهَا ! قَالَ : شَبَّ فَتَيَانِ لِي فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُبَوِّئَهُمْ ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِهِمْ فَبَوَّأْتُهُمْ ، وَاتَّخَذْتُ لَهُمُ مَنَازِلَ ، وَأَوْلَمْتُ عَنْهُمْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَرَدَّدَ عَلَيْهِ : مِائَةَ ألف ، استكثارا لَهَا ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِعَشَرَةِ آلافٍ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِنِي مَا تُعْطِي ، وَأَنْتَ طَيِّبُ النَّفْسِ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً وَهُوَ بِهَا طَيِّبُ النَّفْسِ بُورِكَ لِلْمُعْطِي وَالْمُعْطَى " قَالَ : فَإِنِّي طَيِّبُ النَّفْسِ بِهَا ، فَأَهْوَى هِشَامٌ إِلَى يَدِ الْمَنْصُورِ يقبلها فمنعه ، وقال : إِنّا نُكَرِّمُكَ عَنْهَا ، وَنُكَرِّمُهَا عَنْ غَيْرِكَ . وروي عَن الربيع قَالَ : لما مات المنصور دُرْنا فِي الخزائن أَنَا والمهديّ ، فرأينا فِي بيت أربع مائة حب مسدودة الرؤوس فإذا فيها أكباد ممّلحة أعدّها للحصار . وذكر الرياشي عَن محمد بْن سلام أن جارية رأت قميصًا للمنصور مرقوعًا فأنكرت ذَلِكَ فَقَالَ : ويحك أما سَمِعْت قول ابْن هرمة : قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه . . . خَلِقٌ وجَيْب قميصه مرقوع وروى عمر بْن شبة ، وروى عَن المدائني ، وغيره أن المنصور لما احتضر قَالَ : اللهم إِنِّي قد ارتكبت الأمور العظام جراءة مني عليك ، وقد