الذهبي

1064

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

الناحية من الجند وغيرهم الرياسة ، وأقبل يهدي إلى هَرْثَمَة بْن أَعْيَن أمير القيروان يومئذٍ ويلاطفه ، ويعلمه أنني عَلَى الطاعة ، وأنّني ما دعاني إلا الحاجة ومطل الديون لي ، فاستعمله هَرْثَمَة عَلَى ناحية الزّاب ، فكفاه أمرَها وضبطها . وقِدم عَلَى المغرب محمد بْن مقاتل العكّي ، فأساء إلى الناس وَظَلَمَ ، فقاموا عَليْهِ فَنَجَدَه ابنُ الأغلب ، وأعاده إلى القيروان بعد أن طردوه منها ، ثمّ كاتبوا الرشيد يستقيلونه مِن ابن مقاتل ، فاستعمل عليهم ابن الأغلب لما رأى من نهضته وحُسْن طاعته ، وانقيادَ أهل القيروان لَهُ . وكان فقيهًا ، دينًا ، خطيبًا ، شاعرًا ، ذا رأي ، وحزم ، وبأس ، ونجدة ، وسيادة ، وحُسن سيرة ، قَلّ أنْ ولي أفريقيةَ أحدٌ مثله في العدل والسياسة ، وقد طلب العلم ، وأخذ عَنْ اللَّيْثُ بْن سعْد وغيره ، وكان اللَّيْثُ يكرمه ، وأعطاه جارية حسناء هي أمّ ابنه زيادة الله ، وكان لَهُ بمصر أخ اسمه عبد الله ، محتشم نبيل ، وانتقل أولاده إلى عند عمّهم إبراهيم . وكان مما رفع منزلة إبراهيم بْن الأغلب عند الرشيد ظَفَرُهُ بإدريس بْن عَبْد الله بن حسن الحسني نزيل المغرب ، فقتله . وأشار هَرْثَمَة بْن أَعْيَن عَلَى الرشيد أيضًا بتوليته ، وبالغ في وصفه ، فولاه في أثناء سنة أربعٍ وثمانين ومائة . وردّ محمد العَكّي إلى المشرق ، وانقمع الشر بالمغرب ، وحسن حال إفريقية به ، وبني مدينة سمّاها العباسية ، وكان يتولّى الصلاة بنفسه في جامع القَيروان . وكان عالمًا عاملا بعِلْمه ، عَثَر يومًا في حصيرة المسجد ، فدخل وقال لرؤساء الدّولة : استنكهوني ، ففعلوا فقال : إنّي خشيت أن يقع لأحدكم أنّي سَكْران . وخرج عَليْهِ بتونس حمديس بْن عبد الرَّحْمَن الكِنْديّ ، فحاربه وظفر بِهِ ، وقتل عشرة آلاف مِن عسكر حمديس في سنة ستٌّ وثمانين ، وبعث برأس حمديس إلى الرشيد . وكان قائد جيوشه عِمران بْن مَخْلَد ، وكان نازلا عنده في قصره ، ثمّ خرج