الذهبي

1061

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

عبيدًا ، ولحِق محمدًا بقرب عُسفان ، فانتهب جميع ما معه حتى بقي في وسطه سروايل ، وهمّ بقتله ، ثمّ رحِمَه وطرح عَليْهِ ثوبًا وعمامة ، وأعطاه دُريهمات . فمضى وتوصّل إلى بلاد جُهَينة عَلَى الساحل ، فأقام هناك أشهرًا يجمع الْجُمُوع ، فكان بينه وبين والى المدينة هارون بْن المسيّب وقعات عند الشجرة وغيرها ، فهُزم محمد ، وفُقئت عينه بسهم ، وقُتِل خلْق مِن أصحابه ، ورُدّ إلى موضعه . ثمّ طلب الأمان مِن الْجُلُوديّ ، ومن ابن عمّ الفضل بْن سهل رجاء ، ورُدّ إلى مكّة في آخر السَّنَةِ ، فصعد عيسى بْن يزيد الْجُلُوديّ المنبرَ بمكة ، وصعِد دونه محمد بْن جعفر ، عَليْهِ قِباء أسود ؛ فخلع نفسه ، واعتذر عَنْ خروجه بأنّه بلغه موت المأمون ، وقد صحّ عنده الآن أنّه حيّ ، وخلع نفسه ، واستغفر مِن فِعْله ، ثمّ خرج بِهِ عيسى الْجُلُوديّ إلى العراق ، واستخلف عَلَى مكة ابنه محمد بْن عيسى ، فبعث الحَسَن بْن سهل بمحمد إلى المأمون . وأقام الحج أبو إسحاق المعتصم ابن الرشيد . وأما هَرْثَمَة ، فلمّا فرغ مِن حرب أَبِي السرايا سار نحو خُرَاسان ، فأتته الكتب مِن المأمون أن يرجع فيلي الشام أو الحجاز ، فقال : لا أرجع حتى آتي أمير المؤمنين ، إدلالا منه عَليْهِ ، وليُشافِهه بمصالح ، وليؤذي الفضل بْن سهل بأنّه لَيْسَ بناصح لَهُ . ففهم الفضل مُراده ، فقال للمأمون : إنّ هَرْثَمَة قد ظاهَرَ عليك عدوّك ، وعادي وليّك ، وخالف كُتُبك ، وإن خلّيته كَانَ ذَلِكَ مفسدةً لغيره . فتوحّشَ عَليْهِ ، وأبطأ هَرْثَمَة ، ثمّ قِدم في أواخر السَّنَةِ ، فقال لَهُ المأمون : مالأتَ علينا العلويّين ، وداهَنْتَ ، وحسّنت في السّرّ لأبي السرايا الخروج . فذهب هَرْثَمَة ليتكلّم ويدفع عَنْ نفسه ، فلم يُقبل ذاك منه ، وأُمِر بِهِ ، فَوُجِئ عَلَى أنفه ، ودِيس بطْنُه ، وسُحِب وحُبس ، ودسّ الفضل إلى الأعوان الغلظة عليه ، ثم قتلوه ، وقيل : مات . وفيها هاج الْجُنْد ببغداد ، لكون الحَسَن بْن سهل لم يُنصفهم في العطاء ، وبقيت الفتنة أيامًا . وفيها وجّه المأمون رجاء بْن أبي الضحّاك ، وهو الذي قِدم عَليْهِ محمد بْن جعفر ومعه فرناس الخادم ، لإشخاص عَلَى بْن موسى الرضا . وفيها أُحْصي وَلَدُ العبّاس ، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكرٍ وأنثى .