الذهبي

1051

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

إِلَيْهِ : الَّذِي قالوه لك مَكْرٌ ، ولا يدفعون إليك شيئًا ، فاغتاظ ، وكَمَن حول قصر أمّ جعفر في السلاح والرجال ، وذلك لخمسٍ بقين مِن المحرّم ، فلمّا خرج محمد وصار في الحرّاقة رموه بالنّشّاب والحجارة ، فانكفأت الحرّاقة ، وغرِق محمد وهرثمة ومن كان فيها ، فسبح محمد حتى صار إلى بستان موسى ، فعرفه محمد بْن حُمَيْد الطّاهريّ ، فصاح بأصحابه ، فنزلوا ليأخذوه ، فبادر محمد الماء ، فأُخذ برجْله وَحُمِلَ عَلَى برْذَوْن ، وخلْفه مِن يُمسكه كالأسير . وعن خطّاب بْن زياد أنّ محمدًا وهَرْثَمَة لما غِرقا أتانا محمد بْن حُمَيْد ، فأسَرَّ إلى طاهر أنّه أسَرَ محمدًا ، فدعا طاهر بمولاه قريش الدنداني ، فأمره بقتل محمد . وأمّا المدائنيّ فروى عَنْ محمد بْن عيسى الْجُلُوديّ : أنّ محمدًا دعا بعد العِشاء بفَرَس أدهم كَانَ يسمّيه الزُّهَيريّ ، وقبّل وَلَدَيْه ودمعت عيناه ، ثمّ ركب ، وخرجنا بين يديه ، فرِكْبنا دوابَّنا ، وبين يديه شمعة ، وأنا أقِيه بيدي خوفًا مِن أن تَجيئه ضربةُ سيف بغَتةً ، ففُتح لنا باب خُراسان ، وخرجنا إلى المشرعة ، فإذا حراقة هرثمة فنزلها فرجعنا بالفَرَس ، وغلّقنا باب المدينة ، ثمّ سمعنا الضّجّة ، فصعدنا إلى أعلى الباب ، فذكر عَنْ أحمد بْن سلام صاحب المظالم قَالَ : كنت فيمن كان مع هرثمة من القُوّاد في الحرّاقة ، فلمّا دخل محمد الحرّاقة قمنا لَهُ ، وجثا هَرْثَمَة عَلَى رُكبتيه فقال : يا سيّدي ، لم أقدر عَلَى القيام لمكان النَّقْرس ، ثمّ قّبل يديه ورِجْلَيه ، وجعل يَقُولُ : يا سيّدي ومولاي وابن مولاي ، وجعل يتصفَّح وجوهنا ، ونظر إلى عُبَيْد الله بْن الوضّاح ، فقال : أيُّهم أنت ؟ قَالَ : عُبَيْد الله . قَالَ : جزاك الله خيرًا ، فما أشكرني لِمَا كَانَ منك في أمر الثلج ، فشدّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق والحراقات ، وصيحوا ، وتعلق بعضهم بالحراقة ، وبعضهم يسوقها ، وبعض يرمي بالآجر والنشاب ، فنقبت الحراقة ، فدخلها الماء ، وغرِقت ، فعلِق الملاح بشعر هَرْثَمَة فأخرجه وخرجنا ، وشقّ محمد عَنْهُ ثيابه ، ورمى بنفسه ، فطلعتُ فعلِق بي رجلٌ مِن أصحاب طاهر ، وذهب بي إليه ، فقال : ما فعل محمد ؟ قلت : قد رَأَيْته حين شقّ ثيابَه ، وقذف بنفسه ، فركِب ، وأُخذتُ معهم وفي عنقي حبل ، وأنا أعدو فتعبتُ ، فقال الَّذِي يجنُبني : هذا ليس يعدو : انزل فجُزَّ رأسه ، فقلت : جُعلتُ فِداك ، وَلِمَ ؟ وأنا رجلٌ مِن الله في نعمة ، ولم أقدر عَلَى الْعَدْوِ ، وأنا أفدي نفسي بعشرة