الذهبي

1044

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

يَزَكَ طاهر ، فكانت بينهم وقعة شديدة ، فانهزم محمد القائد . ووجّه الأمين عَلَى الكوفة الفضل بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ ، وولاه عليها ، فالتقاه محمد بن العلاء بعض قواد طاهر فاقتتلوا وانهزم أصحاب الفضل وهمّ في أقفيتهم قتلا وأسرًا ، فأسروا إسماعيل بن محمد القرشي ، وجمهور البخاري . وبقي أمرُ الأمين كلّ يوم في إدبار ، والناس معذورون في خلْعه ، لكونه نكث وخلع أخويه المأمون والمؤتمن ، وأقام بَدَلَهما ابنه طفلا رضيعًا ، مَعَ ما هُوَ فيه مِن الانهماك على اللعب والجهل . وأما داود بْن عيسى الهاشميّ فإنه كَانَ عَلَى الحرمين ، فأسرع في خلع الأمين تدينا ، وبايعه للمأمون وجوهُ أهل الحرمين ، فاستخلف عليهما ولده سليمان ، وسار في وجوه مِن أقاربه يريد المأمون بمَرْو ، فلمّا قدِم عَلَيْهِ تيمّن المأمون ببركة مكّة والمدينة ، إذ كانوا أوّل مِن بايعه بعد خُراسان . ووصل داود بخمسمائة ألف درهم ، ثمّ رجع مسرعًا ليقيم موسم الحجّ ، ومعه ابن أخيه الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، فمرّا بالعراق عَلَى طاهر ، فبالغ في إكرامهما ، ووجه معهما زيد بْن جرير بْن يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ ، وقد عقد لَهُ طاهر على ولاية اليمن ، وأقام الموسم العبّاس بْن موسى المذكور ، وأحسن زيد السيرة باليمن . وفي شَعْبان عقد الأمين لعليّ بْن محمد بْن عيسى بْن نَهِيك الإمرة عَلَى نحو أربعمائة قائد ، وأمره بالمسير إلى هرثمة ، فساروا فالتقوا بجلولاء في رمضان ، فهزمهم هَرْثَمَة ، وأسر أمير الجيش عليّ بْن محمد ، وبعث بِهِ إلى المأمون ، وزحف هرثمة فنزل النهروان . وأقام طاهر بنهر صَرْصَرٍ ، فكان لا يأتيه جيش مِن جهة الأمين إلا هزمه ، وأخذ الأمين يدسّ الجواسيس إلى قوّاد طاهر يعدهم ويمنّيهم ، فشغبوا عَلَى طاهر ، واستأمَن خلقٌ إلى الأمين فأسنى عطاياهم ، ثمّ كرّوا إلى صَرْصَرٍ لحرب طاهر . فالتقوا ، ودام القتال ، ثمّ انهزم جيش بغداد ، وانتهَب أصحاب طاهر أثقالهم وأموالهم ، فبلغ الأمينَ الخبرُ ، فأخرج خزائنه وذخائره ، وفرّق الصلات ، وجمَع أهل الأرباض ، واعترض الناس عَلَى عينه ، فكان لا يرى أحدًا ،