الذهبي
1031
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وَيَمِيلُ إِلَى أَهْلِ الأَدَبِ وَالْفِقْهِ ، وَيَكْرَهُ الْمِرَاءَ فِي الدِّينِ ، وَيَقُولُ : هُوَ شَيْءٌ لا نَتِيجَةَ لَهُ ، وَبِالْحَرِيِّ أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ ثَوَابٌ ، وكان يحب المديح ويشتريه بأغلى ثمن ، أَجَازَ مَرَّةً مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ عَلَى قَصِيدَةٍ خَمْسَةَ آلافِ دِينَارٍ ، وَخُلْعَةً ، وَعَشَرَةً مِنْ رَقِيقِ الرُّومِ ، وَفَرَسًا مِنْ مَرَاكِبِهِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مَعَ الرَّشِيدِ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ ، وَكَانَ مُضْحِكًا فَكِهًا إِخْبَارِيًّا ، فَكَانَ الرَّشِيدُ لا يَصْبِرُ عَنْهُ وَلا يَمَلُّ مِنْهُ لِحُسْنِ نَوَادِرِهِ وَمُجُونِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ السَّمَّاكِ دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ يَوْمًا فَاسْتَسْقَى ، فَأُتِيَ بِكُوزٍ ، فَلَمَّا أَخَذَهُ قَالَ : عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ مُنِعْتَ هَذِهِ الشَّرْبَةَ بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِيهَا ؟ قَالَ : بِنِصْفِ مُلْكِي ، قَالَ : اشْرَبْ هَنَّاكَ اللَّهُ ، فَلَمَّا شَرِبَهَا قَالَ : أَسْأَلُكَ لَوْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا مِنْ بَدَنِكَ ، بِمَاذَا كُنْتَ تَشْتَرِي خُرُوجَهَا ؟ قَالَ : بِجَمِيعِ مُلْكِي ، فَقَالَ : إِنَّ مُلْكًا قِيمَتُهُ شَرْبَةُ مَاءٍ لَجَدِيرٌ أَنْ لا يُنافَسَ فِيهِ ، قَالَ : فَبَكَى هَارُونُ . وَقَدْ ذَكَرْتُ الرَّشِيدَ فِي الأَسْمَاءِ أَيْضًا . وَبُويِعَ لابْنِهِ الأَمِينِ مُحَمَّدٍ فِي الْعَسْكَرِ صَبِيحَةَ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الرَّشِيدُ . وَكَانَ الْمَأْمُونُ حِينَئِذٍ بِمَرْوَ ، وَالأَمِينُ بِبَغْدَادَ ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ ، وَخَطَبَ ، وَنَعَى الرَّشِيدَ إِلَى النَّاسِ وَبَايَعَهُ الناس ، فأمر لِلْجُنْدِ بِرِزْقِ سَنَتَيْنِ . وَأَخَذَ رَجَاءٌ الْخَادِمُ الْبُرْدَ والقضيب والخاتم ، وسار عَلَى الْبَرِيدِ فِي اثْنَى عَشَرَ يَوْمًا مِنْ مرو حتى قدم بغداد فِي نِصْفِ جُمَادَى الآخِرَةِ ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الأَمِينِ . وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَأْمُونَ فَبَايَعَ لِأَخِيهِ ثُمَّ لِنَفْسِهِ ، وَأَعْطَى الْجُنْدَ عَطَاءَ سَنَةٍ ، وَأَخَذَ يَتَأَلَّفُ أُمَرَاءَهُ وَقُوَّادَهُ ، وَيُظْهِرُ الْعَدْلَ ، فَأَحَبُّوا الْمَأْمُونَ . وَأَمَّا الأَمِينُ فَإِنَّهُ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بِيَوْمٍ أَمَرَ بِبِنَاءِ ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ، ثُمَّ قَدِمَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةُ فِي شَعْبَانَ ، فَتَلَقَّاهَا ابْنُهَا الأَمِينُ ، قَدِمَتْ مِنَ الرَّقَّةِ وَمَعَهَا جميع الخزائن . وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ عَلَى خُرَاسَانَ وَإِمْرَتِهَا ، وَأَهْدَى لِلأَمِينِ تُحَفًا وَنَفَائِسَ . وَفِيهَا دَخَلَ هَرْثَمَةُ حَائِطَ سَمَرْقَنْدَ ، فَلَجَأَ رَافِعٌ إِلَى الْمَدِينَةِ الدَّاخِلَةِ ، وَرَاسَلَ