ابن قيم الجوزية

92

الوابل الصيب من الكلم الطيب

تضرعاً وخشوعاً وابتهالاً ، فهذا يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع ، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجراً . وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نفس ، وفرقان بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة ، فيعطي كل ذي حق حقه ، ويوضع كل شيء موضعه : فللعين موضع وللرجل موضع ، وللماء موضع وللحم موضع . وحفظ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نظام الأمر والنهي . والله تعالى الموفق . وهكذا الصابون والأشنان أنفع للثوب في وقت والتجمير وماء الورد وكيه أنفع له في وقت . وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يوماً : سئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار ؟ فقال : إذا كان الثوب نقياً فالبخور وماء الورد أنفع له ، وإذا كان دنساً فالصابون والماء الحار أنفع له . فقال لي رحمه الله تعالى : فكيف والثياب لا تزال دنسة ؟ ومن هذا الباب أن سورة { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها ، بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص . ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء ، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه ، كانت أفضل من كل من القراءة والذكر والدعاء بمفرده ، لجمعها ذلك كله مع عبودية سائر الأعضاء . فهذا أصل نافع جداً يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال وتنزيلها منازلها ، لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيربح إبليس الفضل الذي بينهما ، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها إن كان ذلك وقته ، فتفوته مصلحته بالكلية ، لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثواباً وأعظم أجراً . وهذا يحتاج إلى معرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها ، وفقه في إعطاء كل عمل منها حقه ، وتنزله في مرتبته ، وتفويته لما هو أهم منه ، أو تفويت ما هو أولى منه وأفضل لإمكان تداركه والعود إليه ، وهذا المفضول إن فات لا يمكن تداركه فالاشتغال به أولى - وهذا كترك القراءة لرد السلام وتشميت العاطس - - وإن كان القرآن أفضل ، لأنه يمكنه الاشتغال بهذا المفضول والعود إلى الفاضل ، بخلاف ما إذا اشتغل بالقراءة فاتته مصلحة رد السلام وتشميت العاطس ، وهكذا سائر الأعمال إذا تزاحمت . والله تعالى الموفق .