ابن قيم الجوزية
76
الوابل الصيب من الكلم الطيب
( السابعة والخمسون ) أن إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية ، أو مالية كحج التطوع ، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة : « أن فقراء المهجرين أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون . فقال : ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة الحديث متفق عليه . فجعل الذكر عوضاً لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد ، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر ، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به ، فازدادوا - - إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم - - التعبد بهذا الذكر ، فحازوا الفضيلتين ، فنفسهم الفقراء ، وأخبروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا لهم بما لا قدرة لهم عليه ، فقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » . وفي حديث عبد الله بن بسر قال : « جاء أعرابي فقال : يا رسول الله ، كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه ، فأخبرني بأمر جامع يكفيني . قال : عليك بذكر الله تعالى قال : ويكفيني يا رسول الله ؟ قال : نعم ، ويفضل عنك » فدله الناصح صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها ، فإنه إذا اتخذ ذكر الله شعاره أحبه وأحب ما يحب ، فلا شيء أحب من التقرب بشرائع الإسلام ، فدله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما يتمكن به من شرائع الإسلام وتسهل به عليه وهو ذكر الله عز وجل . . . يوضحه : ( الثامنة والخمسون ) أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته ، فإنه يحببها إلى العبد ويسهلها عليه ويلذذها له ويجعل قرة عينه فيها ، ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل ، والتجربة شاهدة بذلك ، يوضحه : ( التاسعة والخمسون ) أن ذكر الله عز وجل يسهل الصعب ، وييسر العسير ويخفف المشاق ، فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان ، ولا على عسير إلا تيسر ، ولا مشقة إلا