ابن قيم الجوزية
73
الوابل الصيب من الكلم الطيب
يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله تعالى عنده ، فإن الله تعالى ينزل العمل منه حيث أنزله من نفسه » . ( الثانية والخمسون ) إن مجالس الذكر مجالس ملائكة ، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه ، كما أخرجا في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إن لله ملائكة فضلاً عن كتاب الناس ، يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا : هلموا إلى حاجتكم . قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا : فيسألهم ربهم تعالى - - وهو أعلم بهم : ما يقول عبادي ؟ قال : يقولون : يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك . قال فيقول : هل رأوني ؟ قال : فيقولون : لا والله ما رأوك ، قال : فيقول : كيف لو رأوني ؟ قال : فيقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تحميداً وتمجيداً وأكثر لك تسبيحاً . قال : فيقول : ما يسألوني ؟ قال : يسألونك الجنة . قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولن : لا والله يا رب ، ما رأوها . قال فيقول : فكيف لو أنهم رأوها ؟ قال يقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة . فيقول : فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون : من النار . قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولون : لا والله يا رب ، ما رأوها . قال : يقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو رأوها كانوا أشد منها فراراً ، وأشد لها مخافة . قال : يقول : فأشهدكم أني قد غفرت لهم . فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم ، وإنما جاء لحاجة . قال : هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم » فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم ، فلهم نصيب من قوله { وجعلني مباركا أين ما كنت } فهكذا المؤمن مبارك أين حل ، والفاجر مشؤوم أين حل . فمجالس الذكر مجالس الملائكة ، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين ، وكل مضاف إلى شكله وأشباهه ، امرئ يصير إلى ما يناسبه . ( الثالثة والخمسون ) إن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته ، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله تعالى . قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك . قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقل عنه حديثاً مني ، « وإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن علينا بك . قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك .