ابن قيم الجوزية

71

الوابل الصيب من الكلم الطيب

فقال : أمجنون صاحبكم هذا ؟ فسمعه أبو مسلم فقال : ليس هذا بالجنون يا ابن أخي ، ولكن هذا ذو الجنون . ( السادسة والأربعون ) أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى ، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى . وذكر حماد بن زيد عن المعلى أبن زياد أن رجلاً قال للحسن : يا أبا سعيد ، أشكو إليك قسوة قلب . قال : أذبه بالذكر . وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة ، اشتدت به القسوة ، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار . فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل . ( السابعة والأربعون ) أن الذكر شفاء القلب ودواؤه ، والغفلة مرضه ، فالقلوب مريضة وشفاؤها دواؤها في ذكر الله تعالى . قال مكحول : ذكر الله تعالى شفاء ، وذكر الناس داء . وذكر البيهقي عن مكحول مرفوعاً ومرسلاً ذكرته شفاها وعافاها ، فإذا غفلت عنه انتكست ، كما قيل : إذا مرضنا تداوينا بذكركم فتترك الذكر أحياناً فننتكس ( الثامنة والأربعون ) أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها ، والغفلة أصل معاداته ورأسها ، فإن العبد لا يزال يذكر ربه عز وجل حتى يحبه فيواليه ، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه . قال الأوزاعي : قال حسان ابن عطية : ما عادى عبد ربه بشئ أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره . فهذه المعاداة سببها الغفلة ولا تزال بالعبد حتى يكره