ابن قيم الجوزية
69
الوابل الصيب من الكلم الطيب
بذكره ، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره . فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار ، وهذا هو الثواب والأجر . والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه ، وهذه هي المنزلة . وعمال الآخرة على قسمين : منهم من يعمل على الأجر والثواب ، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة ، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه . وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى : { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم } فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب ، ثم قال : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال : { والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } فقيل هذا عطف على الخبر من { الذين آمنوا بالله ورسله } أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم ، ثم أخبر عنهم أن لهم أجراً وهو قوله تعالى { لهم أجرهم ونورهم } فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور : أنهم صديقون ، وشهداء . فهذه هي المرتبة والمنزلة . قيل : تم الكلام عند قوله تعالى : { الصديقون } ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال : { والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه ، فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل ، والأولون أهل البر والإحسان ، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم : ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء . ثم ذكر الأشقياء فقال : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب ، وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا : { إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين } أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني . فالعمال عملوا على الأجور ،