ابن قيم الجوزية

65

الوابل الصيب من الكلم الطيب

الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل ، فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها ، فحينئذ تصغر في عينه الدنيا وتعظم في قلبه الآخرة ، ويبعد القريب إليه وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة ، فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا ، كلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة ، ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر . ( الأربعون ) أن الذكر ينبه القلب من نومه ، ويوقظه من سنته . والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران ، فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ، ولا تحصل يقظته إلا بالذكر ، فإن الغفلة نوم ثقيل . ( الحادية والأربعون ) أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون ، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر ، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها ، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد ، وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبي ذلك المقام عليها ، كما يبني الحائط على رأسه وكما يقوم السقف على حائطه . وذلك أن العبد أن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير ، ولا يستيقط إلا بالذكر كما تقدم ، فالغفلة نوم القلب أو موته . ( الثانية والأربعون ) أن الذكر قريب من مذكوره ، ومذكوره معه . وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة ، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة النصرة والتوفيق ، كقوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا } . { والله مع الصابرين } . { وإن الله لمع المحسنين } . { لا تحزن إن الله معنا } وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي أنا مع عبدي ما