ابن قيم الجوزية
63
الوابل الصيب من الكلم الطيب
الليل والنهار . أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه . قلوب العباد وتواصيهم بيده ، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره . الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ، يقبض سماواته كلها بيده الكريمة والأرض باليد الأخرى ، ثم يهزهن ، ثم يقول : أنا الملك أنا الملك ، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئاً ، وأنا الذي أعيدها كما بدأتها ، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، ولا حاجة يسألها أن يعطيها . لو أن أهل سماواته وأهل أرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئاً ، ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئاً ، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه وإنسهم وجنهم وحيهم وميتهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلاً منهم ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة ، ولو أن أشجار الأرض كلها - من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا - أقلام ، والبحر - وراءه سبعة أبحر تمده من بعده - مداد ، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لفنيت الأقلام ونفد المداد ولم تنقد كلمات الخالق تبارك وتعالى ، وكيف تفنى كلماته عز وجل جلاله وهي لا بداية لها ولا نهاية ، والمخلوق له بداية ونهاية فهو أحق بالفناء والنفاد ؟ وكيف يفنى المخلوق غير المخلوق ؟ هو الأول الذي ليس قبله شئ ، والآخر الذي ليس بعده شئ ، والظاهر الذي ليس دونه شئ ، والباطن الذي ليس دونه شئ ، تبارك وتعالى أحق من ذكر ، وأحق من عبد ، وأحق من حمد ، وأولى من شكر ، وأنصر من ابتغى ، وأراف من ملك ، وأجود من سئل ، وأعفى من قدر ، وأكرم من قصد ، وأعدل من انتقم . حلمه بعد علمه ، وعفوه بعد قدرته ، ومغفرته عن عزته ، ومنعه عن حكمته ، وموالاته عن إحسانه ورحمته . ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله ، أو نعموا فبفضله ، وهو الكريم الواسع وهو الملك لا شريك له ، والفرد فلا ند له ، والغني فلا ظهير له ، والصمد فلا ولد له ، ولا صاحبة ، والعلي فلا شبيه له ولا سمي له ، كل شئ هالك إلا وجهه ، وكل ملك زائل إلا ملكه ، وكل ظل قالص إلا ظله ، وكل فضله منقطع إلا فضله . لن يطاع إلا بإذنه ورحمته ، ولن يعصى إلا بعلمه وحمكته . يطاع بيشكر ، ويعصي فيتجاوز ويغفر . كل نقمه منه عدل ، وكل نعمة منه فضل . أقرب شهيد ، وأدنى حفيظ . حال دون النفوس ، وأخذ بالنواصي ، وسجل الآثار ، وكتب الآجال ، فالقلوب له مفضية ، والسر عنده علانية ، والغيب عنده شهادة . عطاؤه كلام ، وعذابه كلام { إنما أمره إذا أراد