ابن قيم الجوزية
51
الوابل الصيب من الكلم الطيب
العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » وقال أبن مسعود رضي الله عنه : ليس عند ربكم ليل ولا نهار ، نور السماوات من نور وجهه . ذكره عثمان الدارمي وقد قال تعالى : { وأشرقت الأرض بنور ربها } فإذا جاء تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين عباده وأشرقت بنوره الأرض ، وليس إشراقها يومئذ بشمس ولا قمر ، فإن الشمس تكور والقمر يخسف ويذهب نورهما ، وحجابه تبارك وتعالى النور . قال أبو موسى : قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخمس كلمات فقال « إن الله لا ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه ، عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » ثم قرأ { أن بورك من في النار ومن حولها } . فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره . ولهذا لما تجلى تبارك وتعالى للجبل وكشف من الحجاب شيئاً يسيراً ساخ الجبل في الأرض وتدكدك ولم يقم لربه تبارك وتعالى . وهذا معنى قول أبن عباس في قوله سبحانه وتعالى : { لا تدركه الأبصار } : قال : ذلك الله عز وجل ، إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء . وهذا من بديع فهمه رضي الله تعالى عنه ودقيق فطنته ، كيف وقد دعا له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعلمه الله التأويل ، فالرب تبارك وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار عياناً ، ولكن يستحيل إدراك الأبصار له ، وأن رأته فالادراك أمر وراء الرؤية ، وهذه الشمس - ولله المثل الأعلى - نراها ولا ندركها كما هي عليه ولا قريباً من ذلك ، ولذلك قال ابن عباس لمن سأله