ابن قيم الجوزية
46
الوابل الصيب من الكلم الطيب
وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة » . ( الرابعة والثلاثون ) أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده ، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها ، قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون } وإذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها ونسيها واشتغل عنها فهلكت وفسدت ولا بد كمن له زرع أو بستان أو ماشية أو غير ذلك ومما صلاحه وفلاحه بتعاهده والقيام عليه ، فأهمله ونسيه واشتغل عنه بغيره وضيع مصالحه فإنه يفسد ولا بد . هذا مع إمكان قيام غيره مقامه فيه ، فكيف الظن بفساد نفسه وهلاكها وشقائها إذا أهملها ونسيها واشتغل عن مصالحها وعطل مراعاتها وترك القيام عليها بما يصلحها ، فما شئت من فساد وهلاك وخيبة وحرمان . وهذا هو الذي صار أمره كله فرطاً فانفرط عليه أمره وضاعت مصالحه ، وأحاطت به أسباب القطوع والخيبة والهلاك . ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى واللهج به ، وأن لا يزال اللسان رطباً به ، وأن يتولى منزلة حياته التي لا غنى له عنها ومنزلة غذائه الذي إذا فقده فسد جسمه وهلك ، وبمنزلة الماء عند شدة العطش ، وبمنزلة اللباس في الحر والبرد وبمنزلة الكن في شدة الشتاء والسموم . فحقيق بالعبد أن ينزل ذكر الله منه بهذه المنزلة وأعظم ، فأين هلاك الروح والقلب وفسادهما من هلاك البدن وفساده ؟ هذا هلاك لا بد منه وقد يعقبه صلاح لا بد ، وأما هلاك القلب والروح فهلاك لا يرجى معه صلاح ولا فلاح ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . في فوائد الذكر وادامته إلا هذه الفائدة وحدها لكفي بها ، فمن نسي الله تعالى أنساه نفسه في الدنيا ونسيه في العذاب يوم القيامة قال تعالى : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } أي تنسى في