ابن قيم الجوزية
42
الوابل الصيب من الكلم الطيب
والنجاة . وقد جعل الله لكل شيء سبباً وجعل سبب المحبة دوام الذكر . فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره فإنه الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم ، فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم . ( العاشرة ) أنه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الاحسان ، فيعبد الله كأنه يراه ، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان ، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت . ( الحادية عشرة ) أنه يورثه الإنابة ، وهي الرجوع إلى الله عز وجل ، فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه في كل أحواله ، فيبقى الله عز وجل مفزعه وملجأه ، وملاذه ومعاذه ، وقبلة قلبه ومهربه عند النوازل والبلايا . ( الثانية عشرة ) أنه يورثه القرب منه ، فعلى قدر ذكره لله عز وجل يكون قربه منه ، وعلى قدر غفلته يكون بعده منه . ( الثالثة عشرة ) أنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة ، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة . ( الرابعة عشرة ) أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلاله ، لشدة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله تعالى ، بخلاف الغافل فإن حجاب الهيبة رقيق في قلبه . ( الخامسة عشرة ) أنه يورثه ذكر الله تعالى له كم قال تعالى : { فاذكروني أذكركم } ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً ، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . ( السادسة عشرة ) أنه يورث حياة القلب ، وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول : الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء ؟ . ( السابعة عشرة ) أنه قوت القلب والروح ، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته . وحضرت شيخ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ، ثم التفت إلي وقال : هذه غدوتي ، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي . أو كلاماً قريباً من هذا . وقال لي مرة : لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر . أو كلاماً هذا معناه . ( الثامنة عشرة ) أنه يورث جلاء القلب من صداه كما تقدم في الحديث ، وكل