ابن قيم الجوزية

30

الوابل الصيب من الكلم الطيب

أطيب من ريح المسك يوم القيامة . لم يكن التركيب فاسداً ، كأنه قال يمسون وهذا لهم يوم القيامة . وأما قوله لخلوف فم الصائم حين يخلف فهذا الظرف تحقيق للمبتدأ أو تأكيد له وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه لا مجازة ولا استعارته ، وهذا كما تقول : جهاد المؤمن حين يجاهد وصلاته حين يصلي يجزيه الله تعالى بها يوم القيامة ويرفع بها درجته يوم القيامة ، وهذا قريب من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن » وليس المراد تقييد نفي الإيمان المطلق عنه حالة مباشرة تلك الأفعال فقط بحيث إذا كملت مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان ، بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة ، وإلا فما دام مصراً وإن لم يباشر الفعل فالنفي لاحق به ولا يزول عنه اسم الذنب والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح والله سبحانه وتعالى أعلم . وفصل النزاع في المسألة أن يقال : حيث أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر ، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك ، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك ، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم ، وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون فلأنه وقت ظهور أثر العبادة ، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته ، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى ، وبالعكس ، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم ، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا ، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد وصار علانية ، وهكذا سائر آثار الأعمال من الخير والشر . وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة ، وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة . قال ابن عباس : أن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق . وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق ، وقال عثمان بن عفان : ما عمل رجل عملاً إلا ألبسه الله رداءه ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر . وهذا أمر معلوم يشترك فيه وفي العلم به أصحاب البصائر وغيرهم ، حتى إن الرجل الطيب البر لتشم منه رائحة طيبة وإن لم يمس طيباً ، فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه . والفاجر بالعكس . والمزكوم الذي أصابه