ابن قيم الجوزية

25

الوابل الصيب من الكلم الطيب

إلا خطفه . وقد مثل ذلك بمثال حسن وهو ثلاثة بيوت : بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره . وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره ، وليس جواهر الملك وذخائره . وبيت خال صفر لا شئ فيه . فجاء اللص يسرق من أحد البيوت فمن أيها يسرق ؟ فإن قلت من البيت الخالي كان محالاً لأن البيت الخالي ليس فيه شئ يسرق ، ولهذا قيل لابن عباس رضي الله عنهما : إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها ، فقال : وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب ؟ وإن قلت : يسرق من بيت الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع ، فإن عليه من الحرس واليزك وما لا يستطيع اللص الدنو منه ، كيف وحارسه الملك بنفسه ؟ وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله ؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث فهو الذي يشن عليه الغارات . فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل ولينزله على القلوب فإنها على منواله . فقلب خلا من الخير كله وهو قلب الكافر والمنافق فذلك بيت الشيطان قد أحرزه لنفسه واستوطنه واتخذه سكناً ومستقراً ، فأي شئ يسرق منه وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه . وقلب قد امتلأ من جلال الله عز وجل وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه ، فأي شيطان يجترئ على هذا القلب ؟ وإن أراد سرقة شيء منه فماذا يسرق ، وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لا بد له ، إذ هو بشر وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع . وقد ذكر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال : وفي بعض الكتب الإلهي لست أسكن البيوت ولا تسعني ، وأي شئ يسعني والسماوات حشو كرسي ؟ ولكن أنا في قلب الوداع التارك لكل شئ سواي وهذا معنى الأثر الآخر ما وسعتني سماواتي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن . وقلب فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده ، وفيه شهوات النفس وأخلاقها ودواعي الهوى والطبع . وقلب بين هذين الداعيين : فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة والمحبة لله تعالى وارادته وحده ، ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان والهوى