ابن قيم الجوزية
17
الوابل الصيب من الكلم الطيب
هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور ، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك ، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة . وإن وجد عنده حذراص وجداً وتشميراً ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له أن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا ، وينبغي لك أن تزيد على العاملين ، وأن لا ترقد إذا رقدوا ، ولا تفطر إذا أفطروا ، وأن لا تفتر إذا فتروا ، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعاً ، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها ، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي ، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم ، كما يحمل الأول على التقصير دونه وأن لا يقربه ، ومقصود من الرجلين إخراجهما عن الصراط المسقيم : هذا بأن لا يقربه ولا يدلو منه ، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه . وقد فتن بهذا أكثر الخلق ، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط . والله المستعان . ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله عز وجل ، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه ممتثلاً ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر ، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والتسليم ، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه كما حمل ذلك كثيراً من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوف ، فإن الله عز وجل شرع الصلوات الخمس إقامة لذكره واستعمالاً للقلب والجوارح واللسان في العبودية ، وإعطاء كل منها قسطه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد ، فوضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية . فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر البرية ، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان والتوحيد والاخلاص والمحبة والحياء والتعظيم والمراقبة ، وجعل ثوابه إذا قدم عليه أكمل الثواب وأفضله ، وهو النظر إلى وجهه والفوز برضوانه ومجاورته في جنته ، وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة ، وابتلاه بعدوه إبليس لا يفتر عنه ، فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه فتميل نفسه معه ، لأنه يدخل عليها بما تحب ، فينفق هو ونفسه وهواه على العبد : ثلاثة مسلطون آمرون ، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم ، والجوارح آلة منقادة فلا يمكنها إلا الانبعاث ، فهذا شأن هذه الثلاثة وشأن الجوارح ، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا . هذا مقتضى حال العبد ، فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر وأمده بمدد آخر يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه ، فأرسل إليه رسوله وأنزل عليه كتابه وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان ، فإذا أمره الشيطان بأمر أمره الملك بأمر ربه وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك ، فهذا يلم به