ابن قيم الجوزية
12
الوابل الصيب من الكلم الطيب
فيصير لا له ولا عليه . وإما أن عمله لله تعالى خالصاً ثم عرض له عجب ورياء أو تحدث به ثم تاب من ذلك وندم فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط . وقد يقال : إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل . والمسألة مبنية على أصل ، وهو أن الردة هل تحبط العمل بمجردها أو لا يحبطه إلا الموت عليها ؟ فيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه . فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أستلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الاسلام . وإن قلنا لا يحبط العمل إلا إذا مات مرتداً ، فمتى عاد إلى الاسلام عاد إليه ثواب عمله . وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة ؟ يخرج على هذا الأصل . ولم يزل في نفسي من هذه المسألة : ولم أزل حريصاً على الصواب فيها وما رأيت أحداً شفي فيها ، والذي يظهر - والله تعالى أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا به - ان الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوبين ويكون الحكم له حتى كان المغلوب لم يكن ، فإذا غلبت على العبد الحسنات رفعت حسناته الكثيرة سيئاته ، ومتى تاب من السيئة ترتبت على توبته منها حسنات كثيره قد تربى وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة ، فإذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن ، فإن التائب من الذنب لا ذنب له . وقد سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عتاقة وصلة وبر فعله في الشرك : هل يثاب عليه ؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسلمت على ما أسلفت من خير فهذا يقتضي أن الاسلام أعاد عليه ثواب تلك الحسنات التي كانت باطلة بالشرك ، فلما تاب من الشرك عاد إليه ثواب حسناته المتقدمة . فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحاً صادقة خالصة أحرقت ما كان قبلها من السيئات وأعادت عليه ثواب حسناته ، يوضح هذا أن السيئات هي أمراض قلبية ، كما أن الحمى والأوجاع وأمراض بدنية ، والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها حتى كأنه لم يضعف قط .