علي بن أحمد الحرالي المراكشي

91

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين ، وشغل أكثرهم أكلهم وتمنعهم ، وأنهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية ، بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظرا واعتبارا - اصطفى الله ، سبحانه ، من الحنفاء الذين قرأوا كتاب الخلق منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون ، وأنف منه واستكبر عنه المدبرون ، وأكدوا تنبيههم بما اسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر ، وما تتمادى إليه أيام الله ، وذكروهم بما مضى من أيام الله ، وأنزل الله ، سبحانه ، معهم كتبا يتلونها عليهم ، ويبينونها لهم علما ، وعملا ، وحالا ، فقبل ما جاءوا به وصدقه واستبشر به الحنفيون ، وأنذر به المدبرون والمعرضون : { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } آمن من تنبه للنظر والاعتبار ، وألقى السمع وهو شهيد ، وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في الآجله التي إنما يعيها القلب ، وتسمعها الأذن ، وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم ، كذلك شغل المولدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم ، لعبهم في صباهم ، ولهوهم في شبابهم ، وتفاخرهم في أشدهم واستوائهم ، وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم ، وتكاثرهم في الأولاد في شيخهم ، فاشترك المدعو إلى الإسلام ، والمولد فيه الغافل ، في عدم الإقبال والقبول ، وفي ترك الاهتمام بالآجلة ، واقتصارهما على الاهتمام بالعاجلة ، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره ، المدعو لفظا وعلما ، والمولد الغافل علما وعملا ، فلم يسمعه المدعو ، ولم يفهمه الغافل ، فجعله بالحقيقة وراء ظهره ، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار ، وإنما جعله أمامه من قرأه علما وحالا وعملا ،