علي بن أحمد الحرالي المراكشي

35

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

بالإنسان ، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ، ونسي عهد ربه ، فيرد لذلك نبؤه بالذم في القرآن ، { قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ } { إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه ، وهو له بمنزلة سن الميز لابن سبع ، ولا يقع إلا عن اجتماع وثراء ، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس ، لنوسهم أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم ، وغلبة أهوائهم عليهم ، فيرد لذلك نبؤهم بذم أكثرهم في القرآن ؛ { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } و { لَا يَشْكُرُونَ } . ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق ، ولكنهم ينزلون عنه كثيرا ، عند كل عارضة نبل وخادعة رفعة ، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات ، وذلك هو السن الذي يسمون فيه { الَّذِينَ آمَنُوا } وهو أول سن التلقي ، فلذلك جميع آداب القرآن وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن ، كان ابن مسعود ، رضي الله عنه ، يقول : إذا سمعت الله عز وجل يقول : " يا أيها الذين آمنوا فارعها سمعك ، فإنه خبر يأمر به ، أو شر ينهى عنه " . وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه الصبي المميز ، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ ، كذلك خطاب الذين آمنوا لم يصل إليه الناس بعد ، وخطاب الناس قد جاوزه الذين آمنوا ، لأنهم قد انزجروا ، بما قبلت قلوبهم ، عما يزجر عنه الناس ، وقد ائتمروا بما يؤمر به الناس . وهذه الأسنان الحالية عند أولي البصائر ، وخاص خطابها ، أشد ظهورا من أسنان الأبدان ، عند أصحاب الأبصار ، وعدم التبصرة بهده المراتب في الأحوال والبيان ، هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن .