علي بن أحمد الحرالي المراكشي

273

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه ، فهو محمود بما هو منهى عنه ، لأن خطابه أبدا في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل ، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور ، فبين الخطابين ما بين درج العلو ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول ، المتباينين في العلم - انتهى . { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } ولذلك قال الْحَرَالِّي في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره ، لأن العارف بالشيء هو الذي كان له به أدراك ظاهر بأدلة ، تم أنكره لاشتباهه عليه ، ثم عرفه لتحقق ذكره ، لما تقدم من ظهوره في إدراكه ، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس ، وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر ، وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة ، ولذلك يقال : المعرفة حد بين علمين : علم علي تشهد الأشياء ببواديها ، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها . وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانا كيانا إلى ظهوره ، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجار لارتقابه وانتظاره { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده ، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ } أي أهل الكتاب { لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ } أي يخفونه ولا يعلنونه . ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ، ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي أنه حق ، وأنهم آثمون بكتمانه ، فجعلهم أصنافا : صنفا عرفوه فاتبعوه ، وصنفا عرفوه فأنكروه ، كما في إفهامه ، وفريقا عرفوه فكتموه ، وفي تخصيص