علي بن أحمد الحرالي المراكشي
168
تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي
بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه ، وعولج له طعام وشراب قدم له ، أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ، ولتقلد نعمته وإكباره ، فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ، ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان ، كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى أحوال العرب ، لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري ، وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الأمارات والأدلة ، فعوملت بما جبلت عليه ، فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة ، ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي ، لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها ، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس ، وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة ، ويعتاده الريب ، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف ، وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى : { لَا رَيْبَ فِيهِ } . واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه ، فيعلم بالاعتبار والتناسب ، الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات ، أن الماء بزر كون الإنسان ، كما أن الماء أصل رزقه ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ، لمن سأله : ممن هو ؟ فلم يرد أن يعين له نفسه : نحن من ماء . ويعلم كذلك أيضا أن للأرض والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه ، وفي ذكر الأرض