محمد بن جرير الطبري

90

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 ) } قال أبو جعفر : إن قال قائل : وما وجه قوله : ( فاستجاب له ربه ) ، ولا مسألةَ تقدَّمت من يوسف لربّه ، ولا دعا بصَرْف كيدهنَّ عنه ، وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته ؟ قيل : إن في إخباره بذلك شكايةً منه إلى ربه مما لقي منهنَّ ، وفي قوله : ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ) ، معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدهِنَّ ، ولذلك قال الله تعالى ذكره : ( فاستجاب له ربه ) ، وذلك كقول القائل لآخر : " إن لا تزرني أهنك " ، فيجيبه الآخر : " إذن أزورَك " ، لأن في قوله : " إن لا تزرني أهنك " ، معنى الأمر بالزيارة . * * * قال أبو جعفر : وتأويل الكلام : فاستجاب الله ليوسف دعاءه ، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله ، كما : - 19252 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ) ، أي : نجاه من أن يركب المعصية فيهن ، وقد نزل به بعض ما حَذر منهنَّ . * * * وقوله : ( إنه هو السميع ) ، دعاءَ يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه ، ودعاءَ كل داع من خلقه = ( العليم ) ، بمطلبه وحاجته ، وما يصلحه ، وبحاجة جميع خلقه وما يُصْلحهم . ( 1 ) * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " السميع " و " العليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .