محمد بن جرير الطبري
552
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقوله : ( ومن وَرائه عَذَابٌ غليظ ) ، يقول : ومن وراء ما هو فيه من العذاب = يعني أمامه وقدامه ( 1 ) = ( عذاب غليظ ) . ( 2 ) القول في تأويل قوله عز ذكره : { مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) } قال أبو جعفر : اختلف أهلُ العربية في رافعِ " مَثَلُ " . فقال بعض نحويي البصرة : إنما هو كأنه قال : ومما نقصّ عليكم مَثَلُ الذين كفروا ، ثم أقبل يفسّر ، كما قال : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) [ سورة الرعد : 35 ] ، وهذا كثير . ( 3 ) * * * وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما المثل للأعمال ، ولكن العرب تقدّم الأسماء ، لأنها أعرفُ ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه . ومعنى الكلام : مَثَلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ، كما قيل : ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) [ سورة الزمر : 60 ] ، ومعنى الكلام : ( 4 ) ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . قال : ولو خفض " الأعمال " جاز ، كما قال : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ) الآية [ سورة البقرة : 217 ] ، . وقوله : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ )
--> ( 1 ) انظر تفسير " وراء " فيما سلف : 546 ، 475 ، تعليق : 1 . ( 2 ) انظر تفسير " الغليظ " فيما سلف 7 : 341 / 14 : 360 ، 576 / 15 : 366 . ( 3 ) انظر ما سلف قريبًا : 469 - 472 ( 4 ) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 338 ، وسيبويه 1 : 77 .