محمد بن جرير الطبري
347
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أو لا يرون أنا خلقناهم من نطفة ؟ فالخلق من نطفة أشدُّ أم الخلق من ترابٍ وعظام ؟ ( 1 ) . * * * واختَلَف في وَجْه تكرير الاستفهام في قوله : ( أئنا لفي خلق جديد ) ، بعد الاستفهام الأول في قوله : ( أئذا كنا ترابا ) ، أهلُ العربية . ( 2 ) فقال بعض نحويي البصرة : الأوّل ظرف ، والآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام ، كما تقول : أيوم الجمعة زيدٌ منطلق ؟ قال : ومن أوقع استفهامًا آخر على قوله : ( أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا ) ، ( 3 ) جعله ظرفًا لشيء مذكور قبله ، كأنهم قيل لهم : " تبعثون " ، فقالوا : ( أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا ) ؟ ثم جعل هذا استفهامًا آخر . قال : وهذا بعيدٌ . قال : وإن شئت لم تجعل في قولك : ( أئذا ) استفهامًا ، وجعلت الاستفهام في اللفظ على ( أئنا ) ، كأنك قلت : أيوم الجمعة أعبد الله منطلق ؟ وأضمرت نفيه . ( 4 ) فهذا موضعُ ما ابتدأت فيه ب ( أئذا ) ، ( 5 ) وليس بكثير في الكلام لو قلت : " اليوم إنّ عبد الله منطلق " ، ( 6 ) لم يحسن ، وهو جائز ، وقد قالت العرب : " ما علمت إنَّه لصالح ، تريد : إنه لصالح ما علمت . ( 7 ) * * *
--> ( 1 ) الأثر : 20129 - في المطبوعة وحدها مكان " ابن وهب " : " إبراهيم " ، لا أدري من أين جاء بهذا ؟ وهو إسناد دائر في التفسير . ( 2 ) " أهل العربية " ، فاعل قوله آنفًا : " واختلف . . . " . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " أئذا متنا وكنا ترابًا " ، وأثبت نص الآية التي في هذه السورة . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة : " وأضمر نفيه " ، والأجود ما أثبت . ويعني بقوله : " نفيه " أي إلغاءه وإسقاطه . ( 5 ) في المطبوعة : " قد ابتدأت فيه أئذا " ، وفي المخطوطة : " قد ابتدأت فيه بأئذا " ، ولكنه خلط كتابة " بأئذا " ، ورأيت أن الصواب أن تكون مكان " قد " " ما " . وفي المخطوطة والمطبوعة بعد هذا " بكبير في الكلام " ، وهذا أجود . ( 6 ) في المطبوعة وحدها : " اليوم أإن " بهمزة الاستفهام ، زاد ما ليس في المخطوطة وأساء غاية الإساءة . ( 7 ) أشار أبو جعفر فيما سلف 7 : 260 ، إلى أنه سيأتي على الصواب من القول في ترك إعادة الاستفهام ثانية ، وأن الاستفهام في أول الكلام دال على موضعه ومكانه . وهذا هو الموضع الذي أشار إليه ، فيما أرجح ، فراجع ما سلف 7 : 259 ، 260 . * * * حاشية مهمة : كلام أبي جعفر في هذا الموضع يحتاج إلى بيان ، فإنه قد أغمض القول فيه إغماضًا مخلًا ، حتى ألجأ ناشر النسخة الأولى أن يصحح ما صحح ، ويغير ما غير ، لغموض ما كتب أبو جعفر ههنا ، ولذلك فارقت ما لزمته قبل ، من ترك التعليق على ما في التفسير من أبواب النحو . وأنا أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء . وكلام أبي جعفر في هذه الفقرة ، أراد به بيان تكرير الاستفهام ، كما ذكر في ترجمة اختلاف أهل العربية ، ولكنه أضمر الكلام إضمارًا هذا بيانه وشرحه . 1 - قوله : " فقال بعض نحويي البصرة : الأولى ظرف . والآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام ، كما تقول : أيوم الجمعة زيد منطلق " . يريد أن " إذا " ظرف ، يتعلق بمحذوف بعده يدل عليه قوله : " أننا لفي خلق جديد " ، وهو " البعث " ، كأنه قال " أئذا كنا ترابًا ، نبعث " ؟ فالظرف " إذا " متعلق بمحذوف هو " نبعث " ، والمعنى : أنبعث إذا كنا ترابًا . فهذا كما تقول : أيوم الجمعة زيد منطلق ؟ ومعناه : أزيد منطلق يوم الجمعة ؟ فالاستفهام واقع في الأول على " نبعث " ، وفي المثال الآخر على : " زيد منطلق " ، وهذا تأويل نحويي البصرة ، كما جاء في كتب التفسير . 2 - ثم قال بعده : " ومن أوقع استفهامًا آخر على قوله : " أئذا كنا ترابًا " ، جعله ظرفًا لمذكور قبله ، كأنهم قيل لهم : تبعثون ؟ فقالوا : " أئذا كنا ترابًا " ، ثم جعل هذا استفهامًا آخر . قال : وهذا بعيد " . يريد أن " إذا " ، الظرف ، متعلق بمحذوف قبله ، وهو الذي قيل لهم : " تبعثون " ، فقالوا : أئذا كنا ترابًا ؟ فالاستفهام واقع هنا على " إذا " ، أي على الظرف . وهذا مستبعد ، لأنه أتى بمحذوف قبل الظرف لا دليل عليه في الكلام . 3 - ثم قال : " قال : وإن شئت لم تجعل في " أئذا " استفهامًا ، وجعلت الاستفهام في اللفظ على " أئنا " ، كأنك قلت : أيوم الجمعة أعبد الله منطلق ؟ وأضمرت نفيه . فهذا موضع ما ابتدأت فيه ب " أئذا " ، وليس بكثير في الكلام " . يريد أن الاستفهام الأول فضلة وزيادة في " أئذا " ، وأنت تضمر نفيها ، فكررت الاستفهام ، كما كررته في قولك : أيوم الجمعة أعبد الله منطلق ؟ وهذا التكرار ليس بكثير في الكلام . 4 - ثم قال : " لو قلت : اليوم إن عبد الله منطلق ، لم يحسن ، وهو جائز . وقد قالت العرب : ما علمت إنه لصالح ، تريد : إنه لصالح ما علمت " . يعني أن هذا الوجه الرابع غير حسن ، وإن كان جائزًا ، وذلك أنه يقتضي أن تكون " إذا " عندئذ ، ظرفاً متعلقاً بقوله : " لفي خلق جديد " ، أي بخبر " إن " ، وخبر " إن " لا يتقدم عليها ، فأولى أن يتقدم عليها معمول خبرها . ولذلك لم يحسن قولك : " اليوم إن عبد الله منطلق " ، لأن " اليوم " معمول " منطلق " وهو خبر " إن " ، فتقديمه على " إن " ، غير حسن ، وإن جاز . لأن " إن " لا يعمل ما بعدها فيما قبلها . واستدل على جوازه بقول العرب : ما علمت إنه لصالح ، و " ما " هنا ظرفية ، أي : " في علمي ، أو زمن علمي " ، فقدمت العرب " ما علمت " على " إن " وهي تعني " إنه صالح ما علمت " وهذا البيان الذي توسعت فيه ، لشرح مقالة أبي جعفر ، لم أجد أحدًا من أصحاب كتب التفسير ، أو أصحاب كتب إعراب القرآن ، تعرض له تعرض أبي جعفر في بيانه . وكلهم قد تخطى هذا وأوجزه ، ولم يشرحه شرح أبي جعفر . وأبو حيان ، وهو من هو في تتبع أقوال النحاة ، وفي تقصي مقالة الطبري في تفسيره ، أغفل هو أيضًا بيانه وتجاوزه . وذلك لغموض عبارة أبي جعفر في هذا الموضع . فأرجو أن أكون قد بلغت في بيانها مبلغًا مرضيًا إن شاء الله .