محمد بن جرير الطبري

111

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله قتادة ، من أن عبارة الرؤيا ظن ، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء . فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون ، أو أنه غير كائن ثم يكون ، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن ، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها ، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها . وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها ، سقطت حُجَّتها على من أرسلت إليه . فإذا كان ذلك كذلك ، كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق . فمعلومٌ ، إذ كان الأمر على ما وصفت ، أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن ، فيقول لأحدهما : ( أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) ، ثم يؤكد ذلك بقوله : ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) ، عند قولهما : ( لم تر شيئا ) ، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه ، أنه كائن لا محالة لا شك فيه . وليقينه بكون ذلك ، قال للناجي منهما : ( اذكرني عند ربك ) . فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله : ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما ) . * * * وقوله : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان ، نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه ، ولكنه زلَّ بها فأطال من أجلها في السجن حبسَه ، وأوجع لها عقوبته ، كما : - 19311 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن بسطام بن مسلم ، عن مالك بن دينار قال : لما قال يوسف للساقي : ( اذكرني عند ربك ) ، قال : قيل : يا يوسف ، اتخذت من دوني وكيلا ؟ لأطيلن حبسك ! فبكى يوسف وقال : يا ربّ ، أنسى قلبي كثرة البلوى ، فقلت كلمة ، فويل لإخوتي .