محمد بن جرير الطبري

430

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

واستحيا منهم ، قال : أما تعلمون ما يعملُ أهل هذه القرية ؟ وما أعلم على وجه الأرض شرًّا منهم ، إن قومي شر خلق الله ! فالتفت جبريل إلى الملائكة ، فقال : احفظوا ، هاتان ثنتان ! فلما انتهى إلى باب الدار بكَى حياءً منهم وشفقة عليهم ، وقال : إن قومي شرُّ خلق الله ، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم ! فقال جبريل للملائكة : احفظوا هذه ثلاثٌ ، قد حُقَّ العذاب ! فلما دخلوا ذهبت عجوزُه ، عجُوز السَّوء ، فصعدت فلوحت بثوبها ، فأتاها الفساق يهرعون سراعًا ، قالوا : ما عندك ؟ قالت : ضيَّف لوطًا الليلة قومٌ ما رأيت أحسنَ وجوهًا منهم ولا أطيب ريحًا منهم ! فهُرِعوا يسارعون إلى الباب ، ( 1 ) فعاجلهم لوط على الباب ، فدافعوه طويلا هو داخل وهم خارج ، يناشدهم الله ويقول : ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) ، فقام الملك فلزَّ الباب = يقول : فسَدّه = واستأذن جبريل في عقوبتهم ، فأذن الله له ، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء ، فنشر جناحه ، ولجبريل جناحان ، وعليه وشاح من درّ منظوم ، وهو براق الثنايا أجلَى الجبين ، ورأسه حُبُك ، مثل المرجان ، ( 2 ) وهو اللؤلؤ ، كأنه الثلج ، وقدماه إلى الخضرة = فقال : يا لوط ، ( إنَّا رسل ربك لن يصلوا إليك ) ، أمِطْ ، يا لوط ، من الباب ودعني وإياهم . ( 3 ) فتنحى لوط عن الباب ، فخرج عليهم ، فنشر جناحه ، فضرب به وجوههم ضربةً

--> ( 1 ) في المطبوعة : " مسارعين إلى الباب " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) هكذا في المطبوعة ، بأنه يعني " حبك الشعر " ، وهو الجعد المتكسر منه ، وفي المخطوطة " حبل حبل " غير منقوطة ، كأنها " حبل ، حبل " ، يعني الذي ينظم في اللؤلؤ كالتاج . أو تقرأ " جثل ، جثل " ، وهو من الشعر الكثير الملتف . والله أعلم . ( 3 ) في المطبوعة : " امض يا لوط " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض . يقال : " ماط عن المكان ، وأماط عنه " ، إذا تنحى . وفي حديث خيبر أنه أخذ الراية فهزها ، فقال : من يأخذها بحقها ؟ فجاء فلان ، فقال : أنا ! فقال : أمط ! ثم جاء آخر ، فقال : أمط = أي : تنح أنت واذهب .