محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إنما هو : عفا الله عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءًا = ( 1 ) فإنّ في قول الله تعالى ذكره : " ليذوق وبال أمره " ، دليلا واضحًا على أن القول في ذلك غير ما قال ، لأن العفو عن الجرم : تركُ المؤاخذة به . ومن أذيق وبال جرمه ، فقد عوقب به . وغير جائز أن يقال لمن عوقب : " قد عفي عنه " . وخبر الله عز وجل أصدق من أن يقع فيه تناقض . * * * فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين في أوّل مرّة ، قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة ، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به ؟ قيل له : فإن كان ذلك جائزًا أن يكون تأويلَ الآية عندك = وإن كان مخالفًا لقول أهل التأويل = فما تُنكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله تعالى ذكره على العود بعد البدء ، هو تلك الزيادة التي عفاها عنه في أول مرة ، ( 2 ) مما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبال أمره ، فيذيقه في عوده بعد البدء وبالَ أمره الذي أذاقه المرة الأولى = ويترك عفوَه عما عفا عنه في البدء ، فيؤاخذه به ؟ فلن يقول في ذلك شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . ( 3 ) * * * القول في تأويل قوله : { وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( 95 ) } قال أبو جعفر : يقول عز وجل : والله منيعٌ في سلطانه ، لا يقهره قاهرٌ ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ، ولا من عقوبة من أراد عقوبته ، مانع . لأن

--> ( 1 ) قوله : " فإن قول الله . . ز " جواب قوله : " فأما من زعم . . . " . ( 2 ) يقال : " عفا له ذنبه " متعديا و " عفا له عن ذنبه " لازما . ( 3 ) في المطبوعة : " فلم يقل في ذلك شيئا " وفي المخطوطة : " فلم يقول . . . " وصواب قراءتها ما أثبت .