محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت ، لم ينسخ منها شيء ، وأن طعام أهل الكتاب حلال ، وذبائحهم ذكيّة . وذلك مما حرم الله على المؤمنين أكله بقوله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) ، بمعزل . لأن الله إنما حرم علينا بهذه الآية الميْتة ، وما أهلّ به للطواغيت ، وذبائحُ أهل الكتاب ذكية سمُّوا عليها أو لم يسمُّوا ، لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله ، يدينون بأحكامها ، يذبحون الذبائح بأديانهم ، كما يذبح المسلم بدينه ، سمى الله على ذبيحته أو لم يسمِّه ، إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل ، أو بعبادة شيء سوى الله ، فيحرم حينئذ أكل ذبيحته ، سمى الله عليها أو لم يسم . * * * القول في تأويل قوله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } قال أبو جعفر : وهذا الكلام من الله جلّ ثناؤه يدل على نهيه المؤمنين برسوله يومئذ عن طاعة بعض المشركين الذين جادلوهم في أكل الميتة ، بما ذكرنا عنهم من جدالهم إياهم به ، وأمره إياهم بطاعة مؤمن منهم كان كافرًا ، فهداه جلّ ثناؤه لرشده ، ووفقه للإيمان . فقال لهم : أطاعة من كان ميتًا ، يقول : من كان كافرًا ؟ فجعله جل ثناؤه لانصرافه عن طاعته ، وجهله بتوحيده وشرائع دينه ، وتركه الأخذ بنصيبه من العمل لله بما يؤديه إلى نجاته ، بمنزلة " الميت " الذي لا ينفع نفسه بنافعة ، ولا يدفع عنها من مكروه نازلة = ( فأحييناه ) ، يقول : فهديناه للإسلام ، فأنعشناه ، فصار يعرف مضارّ نفسه ومنافعها ، ويعمل في خلاصها من سَخَط