محمد بن جرير الطبري

75

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه ، وذلك سره وعلانيته . و " الإثم " كل ما عُصِي الله به من محارمه ، ( 1 ) وقد يدخل في ذلك سرُّ الزنى وعلانيته ، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن ، ونكاحُ حلائل الآباء والأمهات والبنات ، والطواف بالبيت عريانًا ، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان جميعُ ذلك " إثمًا " ، وكان الله عمّ بقوله : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) ، جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن = لم يكن لأحد أن يخصّ من ذلك شيئًا دون شيء ، إلا بحجة للعذر قاطعة . غير أنه لو جاز أن يوجَّه ذلك إلى الخصوص بغير برهان ، كان توجيهه إلى أنه عنى بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع ، ما حرم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم ، وما بيَّن الله تحريمه في قوله : ( حرمت عليكم الميتة ) إلى آخر الآية ، أولى ، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى ، وهذه في سياقها . ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك ، وأدخل فيها الأمر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله ، فخرج الأمر عامًا بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الإثم . * * * القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين يعملون بما نَهاهم الله عنه ،

--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( الإثم ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( أثم ) .