محمد بن جرير الطبري

527

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

[ النمل : 49 ] . قالوا : نخرج ، فيرى الناس أنّا قد خرجنا إلى سفر ، فنأتي الغار فنكون فيه ، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد ، أتيناه فقتلناه ، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ، ثم رجعنا فقلنا : ( ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ) ، يصدقوننا ، يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر ! فانطلقوا ، فلما دخلوا الغارَ أرادوا أن يخرجوا من الليل ، فسقط عليهم الغارُ فقتلهم ، فذلك قوله : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) حتى بلغ ها هنا : ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) [ سورة النمل : 48 - 51 ] . = وكبر الغلام ابن العاشر ، ونبت نباتًا عجبًا من السرعة ، فجلس مع قومٍ يصيبون من الشَّراب ، فأرادُوا ماءً يمزجون به شرابهم ، وكان ذلك اليوم يوم شِرب الناقة ، فوجدوا الماء قد شربته الناقةُ ، فاشتدَّ ذلك عليهم ، وقالوا في شأن الناقة : ما نَصْنع نحن باللبن ؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة ، فنُسْقيه أنعامنا وحروثنا ، كان خيرًا لنا ! فقال الغلام ابن العاشر : هل لكم في أن أعْقِرَها لكم ؟ قالوا : نعم ! فأظهروا دينَهم ، فأتاها الغلام ، فلما بَصُرت به شدَّت عليه ، فهرب منها ، فلما رأى ذلك ، دخل خلف صخرةٍ على طريقها فاستتر بها ، فقال : أحِيشوها عليّ ! فأحَاشوها عليه ، ( 1 ) فلما جازت به نادوه : عليك ! ( 2 ) فتناولها فعقرها ، فسقطت ، فذلك قوله : ( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) ، [ سورة القمر : 29 ] . وأظهروا حينئذٍ أمرهم ، وعقروا الناقة ، وعَتَوْا عن أمر ربهم ، وقالوا : يا صالحُ ائتنا بما تعِدنا . وفزع ناسٌ منهم إلى صالح ، وأخبروه أن الناقة قد عُقرت ، فقال : عليَّ بالفصيل ! فطلبوا الفَصِيل فوجدوه على رَابية من الأرض ، فطلبوه ، فارتفعت به حتى حلَّقت به في السماء ، فلم يقدروا عليه . ثم رَغَا ( 3 ) الفصيلُ

--> ( 1 ) في المطبوعة : " أجيشوها . . . فأجاشوها " بالجيم ، والصواب بالحاء . " حاش عليه الصيد حوشًا وحياشًا " و " أحاشه عليه " ، إذا نفره نحوه ، وساقه إليه ، وجمعه عليه . ( 2 ) " عليك " ، إغراء ، بمعنى : خذه . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " ثم دعا " ، والصواب ما أثبت . من " رغاء الناقة " ، وهو صوتها إذا ضجت .