محمد بن جرير الطبري
523
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وأما قوله : ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) فإنه يقول : أتخاصمونني في أسماء سمَّيتموها أصنامًا لا تضر ولا تنفع ( 1 ) = ( أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ) يقول : ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجُّون بها ، ولا معذرة تعتذرون بها ، ( 2 ) لأن العبادة إنما هي لمن ضرَّ ونفع ، وأثابَ على الطاعة وعاقب على المعصية ، ورزق ومنَع . فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس ، فإنه لا نفع فيه ولا ضرّ ، إلا أن تتخذ منه آلةً ، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه ، لأن الله لم يأذن بذلك ، فيعتذر من عبدَه بأنه يعبده اتباعًا منه أمرَ الله في عبادته إياه . ( 3 ) ولا هو = إذ كان الله لم يأذن في عبادته = مما يرجى نفعه ، أو يخاف ضرّه ، في عاجل أو آجل ، فيعبد رجَاء نفعه ، أو دفع ضره - ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) يقول : فانتظروا حكمَ الله فينا وفيكم = ( إني معكم من المنتظرين ) حكمَه وفصل قضائه فينا وفيكم . * * * القول في تأويل قوله : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ( 72 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأنجينا نوحًا والذين معه من أتباعه على الإيمان به والتصديق به وبما دعَا إليه ، من توحيد الله ، وهجر الآلهة والأوثان = ( برحمة منّا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ) يقول : وأهلكنا الذين كذَّبوا من قوم هود بحججنا جميعًا عن آخرهم ، فلم نبق منهم أحدًا ، كما : -
--> ( 1 ) انظر تفسير " المجادلة " فيما سلف ص : 86 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير " سلطان " فيما سلف ص : 404 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " فيعذر من عبده " ، والسياق يقتضي ما أثبت .