محمد بن جرير الطبري
508
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يقال له " الهباء " . فبعث الله إليهم هودًا ، وهو من أوْسطهم نسبًا ، وأفضلهم موضعًا ، فأمرهم أن يوحِّدوا الله ولا يجعلوا معه إلهًا غيره ، وأن يكفُّوا عن ظلم الناس . ولم يأمرهم فيما يذكر ، والله أعلم ، بغير ذلك . فأبوا عليه وكذبوه . وقالوا : " من أشدّ منا قوة ! " . واتبعه منهم ناسٌ ، وهم يسيرٌ مكتتمون بإيمانهم . ( 1 ) وكان ممن آمن به وصدّقه رجلٌ من عاد يقال له : " مرثد بن سعد بن عفير " ، وكان يكتم إيمانه . فلما عتوا على الله تبارك وتعالى وكذبوا نبيَّهم ، وأكثروا في الأرض الفساد ، وتجبَّروا وبنوا بكل رِيع آية عبَثًا بغير نفع ، كلمهم هود فقال : ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) [ سورة الشعراء : 128 - 131 ] ، ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) ، أي : ما هذا الذي جئتنا به إلا جنون أصابك به بعض آلهتنا هذه التي تعيب = ( قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) ، إلى قوله : ( صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ سورة هود : 53 - 56 ] . فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر من السَّماء ثلاث سنين ، فيما يزعمون ، حتى جهدهم ذلك . وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جَهْد ، فطلبوا إلى الله الفرج منه ، كانت طَلِبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة ، مسلمهم ومشركهم ، فيجتمع بمكة ناس كثيرٌ شتى مختلفةٌ أديانُهم ، وكلهم معظّم لمكة ، يعرف حُرْمتها ومكانَها من الله . = قال ابن إسحاق : وكان البيت في ذلك الزمان معروفًا مكانه ، ( 2 ) والحرم قائم فيما يذكرون ، وأهل مكة يومئذ العماليق = وإنما سموا " العماليق " ، لأن
--> ( 1 ) في المطبوعة : " يكتمون إيمانهم " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) في المخطوطة : " وكان البيت في زمان معروفًا مكانه " ، غير مستقيم ، والذي في المطبوعة أقوم على السياق .