محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قولُ ابن عباس ، لأن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله : ( ما كانوا ليؤمنوا ) ، القوم الذين تقدّم ذكرهم في قوله : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ) . وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج إنهم عُنوا بهذه الآية ، ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك ، ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك . والخبر من الله خارجٌ مخرجَ العموم ، فالقول بأنَّ ذلك عنى به أهل الشقاء منهم أولى ، لما وصفنا . * * * واختلفت القراءة في قراءة قوله : ( وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) . فقرأته قراءة أهل المدينة : " قِبَلا " ، بكسر " القاف " وفتح " الباء " ، بمعنى : معاينةً = من قول القائل : " لقيته قِبَلا " ، أي معاينة ومُجاهرةً . * * * وقرأ ذلك عامة قراءة الكوفيين والبصريين : ( وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ) ، بضم " القاف " ، " والباء " . وإذا قرئ كذلك ، كان له من التأويل ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون " القبل " جمع " قبيل " ، كالرُّغُف التي هي جمع " رغيف " ، و " القُضُب " التي هي جمع " قضيب " ، ويكون " القبل " ، الضمناء والكفلاء = وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وحشرنا عليهم كل شيء كُفَلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا ، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم ، ما آمنوا إلا أن يشاء الله . والوجه الآخر : أن يكون " القبل " بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قول القائل : " أتيتُك قُبُلا لا دُبُرًا " ، إذا أتاه من قبل وجهه . والوجه الثالث : أن يكون معناه : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلةً قبيلةً ، صنفًا صنفًا ، وجماعة جماعةً ، فيكون " القبل " حينئذ جمع " قبيل " ، الذي هو ج